أصداء الوعي.
ادم أبكر عيسي
ليس في الحديث عن السودان اليوم ترفٌ فكري، ولا ترفٌ سياسي، بل هو استجابة لضرورة وجودية تفرضها أزمة مركّبة، يتقاطع فيها الاقتصاد بالأمن، والثقافة بالسلطة، والمؤسسة بالفرد. وما يعانيه الشعب السوداني ليس مجرد نتائج ظرف طارئ، بل حصيلة أزمات كثيرة من صنعنا، أو من صنع نخبنا وقراراتنا وسياساتنا. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تشخيص صادق، لا إلى تبرير متكرر؛ تشخيص يقوم على العقل والفضيلة، بوصفهما شرطين لا غنى عنهما لأي وعي جمعي حقيقي، وأي عيش مشترك ممكن.
إن العقل ليس ذكاءً فرديًا فحسب، بل هو القدرة على النظر في المآلات، ووزن الخيارات، ورفض الاستجابة الانفعالية. والفضيلة ليست وعظًا أخلاقيًا مجردًا، بل هي ممارسة العدل، والاعتراف بالخطأ، واحترام الآخر، وكفّ الأذى. وبدون هذين المبدأين تتحول السياسة إلى مغامرة، والثقافة إلى صراع، والدولة إلى غنيمة. ومنذ العهود الأولى بعد الاستقلال، تراكمت أخطاء كثيرة لم تُواجَه بنقد جاد، وساد عدم الاكتراث للخطأ المتراكم، وكأن تصحيح المسار ترفٌ فكري أو خيانة سياسية. وبدلًا من محاسبة السياسات، تمّت حماية أصحابها؛ وبدلًا من مراجعة النتائج، جرى البحث عن كبش فداء. وهكذا تحوّل الخطأ إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، والثقافة إلى أزمة.
لقد ارتكزت كثير من السياسات على قضاء الحاجة العاجلة، أو المصلحة الضيقة، دون نظرة إلى مآلاتها المستقبلية. فغابت الرؤية الاستراتيجية، وحضرت الارتجالية، وغاب العقل حين صار القرار السياسي رهين المزاج والولاء، وغابت الفضيلة حين صار المال العام مباحًا، والكرامة الإنسانية قابلة للمساومة. إن السياسة القاصرة ليست مجرد خطأ تقني، بل هي أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة إدارية. فحين يغيب العقل تُصنع القرارات بلا علم، وحين تغيب الفضيلة تُنفّذ بلا عدل. ومن أبرز مظاهر الأزمة ضيق المواعين الاستيعابية، أي ضعف قدرة المؤسسات والمجتمع على احتواء التنوع والاختلاف والنقد، ويقابله ضيق سعة الصدر للنقد، حيث يُنظر إلى الناقد كعدو، وإلى المراجعة كتشكيك. وهكذا تنمو ثقافة التبرير، وتغيب ثقافة المحاسبة، ويظل المجتمع يدور في أخطائه لأنه لا يحتمل من ينبهه إليها.
ولقد لازم خطاب الكراهية الثقافة السودانية في لحظات كثيرة، فتحوّل الاختلاف السياسي إلى خصومة وجودية، والتنوع إلى تهديد. وهذا الخطاب لا يفرّق بين النقد والتخوين، ولا بين الاختلاف والعداء، فيُضعف النسيج الاجتماعي، ويهدّد العيش المشترك. والثقافة السودانية، بثرائها وتنوعها، قادرة على تجاوز هذا الخطاب إذا قامت على العقل والفضيلة، وإذا أفسحت المجال للاعتراف بالآخر، وللنقد الذاتي، وللذاكرة النقدية بدلًا من الذاكرة التبريرية. غير أن الأزمة لا تقف عند الثقافة، بل تمتد إلى علاقة المثقف بالسلطة؛ فالمثقف إما يُستدعى للتبرير، وإما يُستبعد أو يُخوَّن، والسلطة بدورها لا ترى فيه شريكًا في التفكير، بل خصمًا محتملًا. وهكذا تغيب المسافة النقدية، ويغيب الفكر المستقل، وتزداد الأزمة حدة مع غياب مؤسسات الدولة العاملة وفق رؤية إدارية، إذ إما تُعطَّل المؤسسات، وإما تُسيَّس، وإما تغيب، وبدون مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة تبقى الدولة عرضة للفوضى والفساد.
ولا يمكن الحديث عن أزمة السودان دون الإشارة إلى الفساد المالي والإداري، الذي استنزف الموارد، وأضعف الثقة، وكرّس التفاوت، وغاب معه التنمية المتوازنة، فصارت بعض المناطق مهمّشة، وبعض الخدمات غائبة، وبعض الفرص محتكرة. إن الفساد ليس مجرد سرقة مال، بل هو سرقة للثقة، وسرقة للمستقبل، وهو نتيجة طبيعية لغياب العقل في الإدارة، وغياب الفضيلة في المسؤولية. وكل حديث عن الخلاص دون تشخيص صادق، ودون نقد للخطأ المتراكم، ودون احتواء للنقد، ودون مؤسسات فاعلة، هو حديث يدور في فراغ. إن العيش المشترك لا يُبنى بالشعارات، بل بالوعي الجمعي الذي يُقدّم العقل على الانفعال، والفضيلة على المصلحة الضيقة. والسودان، الذي يملك من التنوع والثقافة ما يؤهله للنهوض، يحتاج اليوم إلى تشخيص شجاع، وإلى نقد مسؤول، وإلى إرادة جماعية تُعيد للعقل مكانته، وللفضيلة حضورها، وللمؤسسة هيبتها، وللإنسان كرامته.
adamruk55@gmail.com
