التغيرات السياسية العاصفة في واشنطن دي سي وأثرها على السودان
بين توازنات الديمقراطية الأمريكية وحدود الدور الخارجي في الأزمة السودانية
طلعت محمد الطيب
مقدمة
أفرزت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026 تحولات سياسية عاصفة، تمثلت في استعادة الحزب الديمقراطي الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، بما يضع إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام قيود تشريعية وسياسية غير مسبوقة خلال ما تبقى من فترته الرئاسية. وقد شملت هذه التحولات انتصارات ديمقراطية في ولايات ظلت لعقود معاقل تقليدية للحزب الجمهوري، مثل تكساس وكانساس وساوث كارولاينا.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على انعكاساته الداخلية، وإنما تمتد إلى السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك موقف واشنطن من الحرب السودانية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم طبيعة الحزب الديمقراطي، والتيارات الفكرية والسياسية التي تتنازعه، ومدى قدرتها على التأثير في توجهات البيت الأبيض.
ولا أنطلق في هذا التقييم من الفرضية التقليدية التي تختزل السياسة الغربية في السعي لتحقيق المصالح الذاتية وحدها. فالدول الغربية التي تقوم أنظمتها على التعددية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة لا تستطيع تجاهل قيم المجتمعات التي تحكمها، ولا مواقف الرأي العام، ولا الضغوط الناجمة عن مؤسسات المجتمع المدني. فالمصلحة السياسية، في هذه المجتمعات، ليست منفصلة بالضرورة عن الاعتبارات الأخلاقية والحقوقية، بل كثيراً ما تتفاعل معها وتخضع لتأثيرها.
أولاً: الحداثة والديمقراطية وتجاوز عقلية القطيع
أعتقد أن التحولات التي شهدتها المجتمعات الحديثة، وما صاحبها من اتساع للفردانية واستقلالية التفكير، قد أسهمت في إضعاف بعض أشكال الانتماء التقليدي القائم على العصبية والولاء الجماعي غير النقدي.
فالمجتمع المدني الحديث ليس مجتمعاً تحكمه بالضرورة روابط الدم أو القبيلة أو الإثنية، وإنما هو مجتمع يضم غرباء تجمعهم قواعد مشتركة، وقبول متبادل بالحقوق والواجبات، وتفاهم حول ما يحسن شروط الحياة المشتركة.
وهنا تكمن أهمية القانون والمؤسسات الديمقراطية؛ إذ لا تقوم الدولة الحديثة على القمع وحده، وإنما على مزيج من سيادة القانون، واحترام الحقوق، وتوفير الخدمات العامة، وإتاحة المجال للمواطنين كي يعبروا عن آرائهم ويسهموا في تشكيل الوعي العام.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تعاني من الاستبداد والقمع تجد نفسها أكثر عرضة لإعادة إنتاج الولاءات التقليدية والعصبيات، خاصة حين تُحرم من مؤسسات مدنية مستقلة ومن فضاء عام يسمح بالتفاعل الحر.
ومع ذلك، لا أرى أن هذه المقارنة ينبغي أن تتحول إلى حكم مطلق على الشعوب؛ فالفردانية والتعاطف الإنساني ليسا حكراً على المجتمعات الغربية، كما أن العصبية ليست صفة جوهرية للمجتمعات العربية أو الإفريقية. إنما يتعلق الأمر بشروط اجتماعية وسياسية وتاريخية تساعد على تنمية قيم بعينها أو إضعافها.
وفي تقديري، فإن اتساع أفق الفرد في المجتمعات الحديثة، وإدراكه للعالم بوصفه فضاءً إنسانياً مشتركاً، يهيئان شروطاً أفضل للتعاطف مع معاناة الشعوب الأخرى، بدلاً من النظر إليها من خلال عدسة العداء أو الاختلاف الثقافي وحده.
ثانياً: الحزب الديمقراطي الأمريكي بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية
تكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة عند محاولة فهم استراتيجية الحزب الديمقراطي الأمريكي وتوجهاته المستقبلية.
فالحزب الديمقراطي ليس كتلة أيديولوجية متجانسة، وإنما يضم تيارات متعددة، من بينها الاشتراكيون الديمقراطيون والتقدميون، إلى جانب تيار واسع من الليبراليين والمعتدلين والمستقلين عن الالتزامات الأيديولوجية الصارمة.
وقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة صعود شخصيات ذات توجهات تقدمية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاشتراكيين الديمقراطيين سيهيمنون على صناعة القرار داخل الحزب. فالغلبة، في تقديري، ستظل مرجحة للتيار الليبرالي والمعتدل، الذي يضع الاعتبارات الانتخابية والمؤسسية في مقدمة أولوياته.
ويبرز في هذا السياق فوز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، وهو فوز له دلالة سياسية مهمة بالنظر إلى الطبيعة المحافظة التقليدية للولاية.
إن صعود مثل هذه الشخصيات يعكس قدرة الحزب الديمقراطي على توسيع قاعدته الانتخابية، وعلى مخاطبة قطاعات من المجتمع الأمريكي لم تكن تقليدياً ضمن نطاق نفوذه.
ولكن من المهم التمييز بين التوسع الانتخابي وبين التحول الأيديولوجي؛ فنجاح الحزب في استقطاب ناخبين من الولايات المحافظة لا يعني أن هؤلاء الناخبين قد تبنوا بالضرورة أجندة الاشتراكية الديمقراطية، بل ربما يعكس رغبتهم في تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أو الحد من النزعة السلطوية للرئاسة، أو البحث عن بدائل أكثر اعتدالاً.
وبصورة عامة، ينأى الحزب الديمقراطي، في العادة وبدرجة نسبية، عن التدخلات السافرة في شؤون الدول الأخرى، مقارنة بالحزب الجمهوري الذي قد تدفعه أحياناً اعتبارات أيديولوجية وتعصبات دينية خفية إلى تبني مواقف أكثر اندفاعاً وتدخلاً. ولا يعني ذلك أن الحزب الديمقراطي يتخلى عن المصالح الأمريكية أو يمتنع عن ممارسة النفوذ الخارجي، وإنما يعكس اختلافاً في تقدير شروط التدخل وحدوده ووسائله.
وفي تقديري، يستند هذا التحفظ النسبي لدى الحزب الديمقراطي إلى قناعة مفادها أن الدول الأخرى ينبغي أن تكون مهيأة تماماً للتغيير في اتجاه تبني سياسات تحترم الحقوق والحريات العامة، وأن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عصية على التصدير المباشر، لأسباب ثقافية وتاريخية عميقة. ففرض هذه القيم من الخارج قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقوض فرص نشوء مؤسسات ديمقراطية مستقرة من الداخل. ومن ثم يميل الحزب الديمقراطي، في كثير من الحالات، إلى دعم الإصلاح التدريجي، والضغط الدبلوماسي، وبناء المؤسسات، بدلاً من التدخل الفج أو فرض نماذج جاهزة بالقوة.
ومن هنا، فإن تأثير الحزب الديمقراطي في السياسة الخارجية لن يكون بالضرورة انعكاساً مباشراً لأفكار التيار التقدمي، وإنما سيخضع لتوازنات داخلية، ولحسابات المصالح الأمريكية، ولطبيعة العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض.
