على حين يُغفِل السيد محمد أبو القاسم حاج حمد كلَّ خيبات التيار (الاستعلائى/السلطوى/ التفكيكى) الذى ينتسب إثنياً إلى تكوين (شمال ووسط) السودان المستعرب المسلم ، فى ما يتصل بترتيب مساكنته مع تكوينات (التنوُّع الهويوى) الأخرى فى (الجنوب) و(الغرب) و(الشرق) ، فإنه يتصوَّر حلاً معجزاً للمشكلة ، مِمَّا لم يخطر من قبل على بال هذا (الشمال والوسط) ، ولم يولِه انتباهته المتمكثة ، إذ يمكنه الآن ، برأى حَمَد ، نفض يده بسهولة من كلِّ تبعات هذا (التنوُّع) اللبيك ، بالعكوف فقط على تنقية خصائصه (الجيوبوليتيكيَّة) والتخارج بها من هذا المأزق ، قفزاً فوق كلِّ وقائع الاستحلاب (السوسيوبوليتيكى الاقتصادى) التاريخى ، أو ما يصطلح عليه (بالتهميش) الذى ينكره السيد حاج حمد ويعده محض ادعاء عنصرى (البيان ، 1/5/04).
تقوم هذه النظريَّة ، التى لا يكلُّ حاج حمد عن الترويج لها فى جُلِّ نتاجاته الفكريَّة النشطة ، على فرضية تجعل (للشمال ـ الوسط) ، أو ما تطلق عليه (الوسط النيلى) أحياناً ، وتلحِق به (الشرق) من عجب ، خصوصيَّة (جيوبوليتكيَّة) مغايرة لخصوصية (الجنوب والغرب) ، كما تفترض له ، بخلاف غيره ، وحدة (مركزيَّة) باعتباره منظومة تجمع بين ساحل البحر الاحمر والنيل ، ويمكن توثيق تاريخها الموحد منذ دولة نبتة (750 ق.م ـ 540 ق.م) ، ودولة مروي (540 ق.م ـ 350م) ، و(نقش عيزانا) أول ملك مسيحي لأكسوم (350م) ، ثم الممالك المسيحية الثلاث: نوباتيا والمقرة وعلوة ، والتي استمرت ألف سنة ، وممالك البجا القبلية ، ثم السلطنة الزرقاء (1505م ـ 1821م) ، والتى تأسَّست على حلف الفونج في النيل الازرق مع العبدلاب في الشمال والحداراب فى الشرق ، إضافة إلى ما ثبتت به ، على حدِّ تعبيره ، أركان هذه (المركزيَّة) منذ الاحتلال التركى (1821م ـ 1885م) ، والاحتلال الثنائى البريطانى المصري (1899م ـ 1956م).
وتخلص النظريَّة إلى أن هذه المنطقة قد شهدت ، تبعاً لخصوصيَّتها (الجيوبوليتيكيَّة) ، تفاعلاً ثقافياً وعرقياً يحول دون تقبلها لأىِّ نوع من الاختراقات!
أما (الغرب) فيمكن ربطه مع (الوسط النيلى) بفيدراليَّة ذات صلاحيات واسعة ، وفق حاج حمد الذى يقول إنه يستند فى ذلك إلى رؤية السيدين دريج وحرير ، متجاهلاً أن حركة القائدين المذكورين (التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى) قد أعلنت عن دمج قواتها فى جيش تحرير السودان بدارفور الذى رفع مؤخراً سقف مطالبه إلى مستوى مطالب الحركة الجنوبيَّة بقيادة قرنق (الأيام ، 12/6/04).
وأما الجنوب فلا بُدَّ أن يُربط بمصيره (الجيوبوليتيكى) الخاص به منذ قرن وربع القرن ، بحيث لا يمكن أن يرتبط مع هذا (المركز) إلا فى إطار (كنفدرالى) بفاصل حدود عام 1956م الادارية! ويحار المرء فى مواصلة السيد حمد تشدده إزاء نيفاشا (البيان ، 29/5/04) ، رغم أن بروتوكولاتها قد ذهبت ، فى المحصلة النهائيَّة ، إلى نفس هذه (النتيجة الكونفدراليَّة) ، بل أبعد من ذلك! اللهم إلا إذا كان اعتراضه ينصب على فترة السنوات الست الانتقاليَّة ، كونه يريد أن يرى (كنفدراليَّته) متحققة منذ اليوم؟!
وأما أىُّ حديث آخر عن المناطق الثلاث المطروحة حالياً (جنوب النيل الأزرق ـ جبال النوبا ـ أبيى) فلا يعدو كونه ، بحسب هذه النظريَّة ، اختراقاً (لجيوبوليتيكا) تكوين الشمال والوسط و(مركزيته) التاريخية والجغرافية والسياسية (ألوان ، 5/6/04).
وبهذا فإن السيد حاج حمد لا يتنكب اختيار الزاوية الصحيحة للنظر إلى المشكلة ، فحسب ، بل يعمد ، فى واقع الأمر ، وإن كان بطريقة أكثر ذكاءً ، لإعادة إنتاج طبعة (منقحة ومزيَّدة)، فى الظرف الجديد ، من نفس أيديولوجيا (الجلابة) التقليديَّة ، وتيارها (الاستعلائى/ السلطوى/التفكيكى) القديم الذى تشكل النخبة الاسلامويَّة الحاكمة نموذجه الأكثر اكتمالاً. وليس أدل على ذلك من تصريحه بأنه لم يدعُ يوما (لتفكيك) هذا النموذج أو (اسقاطه) لأن في ذلك تفكيكاً (لمركزية الوسط) دون وجود بديل! وأنه ظل يدعو لإعادة (تصحيح) هذا النموذج منهجياً في الفكر والعقيدة ، واستراتيجياً في السياسة والحكم! ومع ذلك فهو يصف (خطته) هذه بأنها وطنيَّة ديموقراطيَّة (الصحافة ، 12/6/04).
إن الحقيقة التى لا تجوز المغالطة فيها هى أن غالب الطبقات والشرائح الاجتماعية (للجلابة) الذين تمكنوا ، منذ خمسة قرون ، من الاستحواز على الثقل الاقتصادى السياسى والاجتماعى الثقافى فى بلادنا ، إنما ينتسبون إلى الجماعة المستعربة المسلمة المنتشرة ، أساساً ، فى الشمال ومثلث الوسط الذهبى (الخرطوم ـ كوستى ـ سنار) ، وهى التى تَشكَّلَ فى رحمها ، لهذا السبب ، التيار (السلطوى/التفكيكى) المستعلى على (الآخرين) فى الوطن بالعِرق والدين والثقافة واللغة ، علاوة على الثروة بطبعيعة الحال.
لقد تكوَّنت هذه القوى الاجتماعيَّة فى ملابسات النشأة الأولى لنظام التجارة البسيط على نمط التشكيلة ما قبل الرأسمالية فى مملكة الفونج ، منذ مطلع القرن السادس عشر (ك. بولانى ـ ضمن تيم نبلوك ، 1990م) ، وضمَّت مختلف شرائح التجار والموظفين والفقهاء وقضاة الشرع ، أو الطبقة الوسطى الجنينيَّة وقتها. وعند انحلال المملكة أوائل القرن التاسع عشر حازت هذه القوى على أراضيها وثرواتها ، فجرى تكبيل قوى الانتاج البدوى بين القبائل الطرفيَّة ، كما فى الجنوب وجبال النوبا والفونج والنيل الأبيض مثلاً ، من عبيد وأنصاف عبيد رعاة ومزارعين وحِرَفيىِّ انتاج سلعى صغير ، بالمزيد من علاقات الانتاج العبودية والاقطاعية المتداخلة. وكان هؤلاء يعتبرون مورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى “كانت تنتزع بالقوة .. مما جعل لهذه العملية تأثيراتها السالبة على المناطق المذكورة” (المصدر).
كان لا بد لهذا التأثير السالب أن ينسحب على العلاقات الاثنيَّة عموماً ، ليس لجهة الاقتصاد فحسب ، وإنما لجهة الثقافة والاجتماع أيضاً ، مِمَّا مهَّد لحجاب كثيف بين العنصر المستعرب المسلم وبين (الآخرين) ، حيث استعصم العنصر الزنجى مع لغته وثقافته بالغابة والجبل ، وحدث الشئ نفسه تقريباً فى سلطنة الفور ومملكة تقلى (محمد المكى ، 1976م). ومنذ العام 1820م جرى تعميم النموذج مع دولة الأتراك الحديثة التى “تمتلك أدوات تنفيذ عالية الكفاءة ، فبرز النهج الاستتباعى للثقافة العربيَّة الاسلاميَّة بشكله السافر” (أبكر آدم اسماعيل ، 1999م).
ومع مطالع القرن الماضى حصلت هذه القوى على دفعة كبيرة من الاستعمار البريطانى الذى احتاج إلى (مؤسسة سودانية) تدعم وجوده فى الأوساط الاجتماعيَّة ، الأمر الذى هيَّأ لقوى (الجلابة) من كبار الزعماء القبليين والدينيين وكبار التجار وخريجى (الكليَّة) وراثة السلطة بعد الاستقلال ، بذهنيَّة تنزع لتأكيد (نقاء) عِرْقها ولغتها وثقافتها ، وتقديم نفسها كنموذج (قومىٍّ/مركزى) يزعم تمام التأهُّل لاختزال مجمل التكوينات الأخرى ، ففاقمت بذلك من أوضاع القهر والاستعلاء برسم وتطبيق سياسات (الأسلمة) و(التعريب) القسريَّة.
تلك هى الوضعيَّة التى استقبل بها (الجلابة) صورة الوطن ومعنى الوطنيَّة والمواطنة ، بالمفارقة لكل معطيات (الهُجنة) التى ترتبت على قرون من اختلاط الدماء العربيَّة الوافدة والأفريقيَّة المحليَّة ، بالاضافة إلى كلِّ حقائق (التنوُّع) الذى أنكرت استحقاقاته الأنظمة المتعاقبة ، مِمَّا أفضى إلى مأزقنا الراهن الذى تساوق فيه (التهميش) الاقتصادى السياسى مع (التهميش) الاجتماعى الثقافى ، كمصدر أساسىٍّ لهذا الحريق الوطنى العام ، وهو ما ينكره حاج حمد.
ومن ثمَّ فإن نظريَّة الرجل قائمة ، ببساطة ، على نفس خيار النهج (الاستعلائى/ السلطوى/ التفكيكى) القديم. الفرق الوحيد هو أنها ، وبدلاً من مطالبتها (للهامش) ، كما فى السابق ، بالخضوع (السوسيوبوليتيكى الاقتصادى) التام (للمركز) دون قيد أو شرط ، تستدير الآن ، بعد أن زلزل السودان زلزاله ، وأخرج (الهامش) أثقاله ، (لتجترح) أوضاعاً (جيوبوليتيكيَّة) جديدة ، فتحث (المركز) العروبى الاسلاموى على اللواذ بخصائصه (الجيوبوليتيكيَّة) التاريخيَّة وترك هذا (الهامش) العنصرىِّ الحاقد لمصيره (الجيوبوليتيكىِّ) المغاير .. والله الغنى!
حَاجْ حَمَدْ: مِن رَمْضَاءِ السُّوسْيوبُولِيتيكَا إِلى نَار .. ِالجِّيوبُولِيتيكَا!
بقلم/ كمال الجزولى
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم