أحياءٌ عِند قُرائِهم يُذكرُون (3)! .. بقلم: فتحي الضّـو

 

faldaw@hotmail.com

 

  أضاف كثير من نُقاد الأدب العربي الاستاذ الراحل الطيب صالح إلى رواد تيار الواقعية السحرية وذلك إلى جانب أدباء أميريكا اللاتينية الذين اشتهروا بحمل لوائها، أمثال عميد الرواية الكولومبي جبرائيل جارسيا ماركيز والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والايطالي إيتالو كالفينو والبريطاني جون فاولز والألماني جنتر جراس وإلى حد ما بعض أعمال كُتّاب سابقين أمثال كلايست وهوفمان وكافكا ولسنا بصدد الخوض في مصطلح يُعد منذ ظهوره منتصف القرن الماضي وإلى اليوم، من أكثر المصطلحات الأدبية إثارة للجدل، سِيَّما، وأن مفهوم الواقعية بشكل عام أصبح خشم بيوت كما نقول في لغتنا العامية…أي تعدى رحاب الأدب ولامس ضِفاف مناهج أُخر، فأصبحنا نقرأ عن الواقعية الاجتماعية و الواقعية الاشتراكية و الواقعية العلمية و الواقعية الجديدة…وهلمجرا. ومن جهة أخري لسنا بصدد المقارنة أيضاً، بين أعمال الراحل الطيب صالح ورواد ذلك التيار، لعِلمِّنا أن كلاً منهم عبَّر عن واقعه بالصورة التي رسمتها مخيلته. ولا أظن ان أحداً منهم شرع قبيل تسطير رواياته على تأطيرها في هذا القالب أو ذاك. وبغض النظر عن كل ذلك، لعل الكثيرون أبدوا دهشتهم في الكيفية التي ملأت بها أعمال الطيب صالح الدنيا وشغلت الناس…وذلك على الرغم من قِلتها من ناحية الكم. بل شرع البعض يتساءلون: كيف تسنى لرواية واحدة موسم الهجرة إلى الشمال أن تُحظى بهذه الاهتمام الكبير الذي حرَّض الكُتَّاب والنقاد على كتابة مئات المقالات حولها، ودفع البعض لتأليف عشرات الكتب النقدية والتحليلية عنها، واعتبرها الكثيرون مادةً مِحورية لعشرات الرسائل الأكاديمية التي توخوا بها الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة، وتُترجم لأكثر من ستين لغة عالمية، وفوق كل ذلك يتواصل فيها الجدل المثير نفسه لأكثر من أربعة عقود زمنية منذ ظهورها لأول مرة، بل من المنتظر أن يستمر الجدل لسنوات عُدة قد تطول ولا تقصر…هذا بالرغم من تبدل ذائقة الناس الفنية والأدبية وإختلافهما من جيل لآخر، ورغم تغير نمط الحياة بشكل عام، والعلاقة بين الشرق والغرب بشكل خاص!في تقديرنا يمكن أن يرهق الطيب صالح كل من يحاول أن يتابع مسيرة حياته للوصول إلى إجابة قاطعة تطفيء نيران حب الاستطلاع الذي جُبل عليه بني البشر، ويُذكَر إنه إلتف كثيراً في حواراته الصحفية المتعددة حول أي سؤال تناول هذا الموضوع، وطالما أخضع حياته إختصاراً إلى عامل «الصدفة التي لعبت دوراً كبيراً في مسار حياتي»! وشمل في ذلك حتى الكتابة، حيث ظلَّ ينفي باستمرار إنه خطط كما الآخرين لهذا المصير «لم أرغب أن أكون كاتباً في يوم من الأيام، مثل ما لم يكن لدي أية رغبة في نشر ما كتبته» بل طفق ينفر منها في أحايين كثيرة كما ينفر السليم من الأجرب «الكتابة لعنة ولا يوجد عاقل يتمنى أن يصاب الآخرون بهذه اللعنة». مع ذلك يمكن القول إلى أن ثمة ظروف مكتسبة ساهمت إلى حد كبير في صقل موهبته الفطرية، ومكَّنته من أن يتحف الانسانية بدرر أدبية رائعة ستبقي على مر العصور والأزمان. ضمن تلك الظروف كانت البيئة حاضرة دوماً في ذهنه وراسخة أبداً في وجدانه بشخوصها النمطية وتفاصيلها القوية وتنوعها الحميم، والذي أضاف عليه تجاربه الخاصة من تنقلاته بين بعض مدن السودان (الخرطوم، امدرمان، بورتسودان، رفاعة، بخت الرضا) إلى أن جاء الاغتراب الجغرافي وإنتقل إلى بريطانيا فكان نُقلة كاسحة كالسيل العرم، صاحبها تغيير شامل في نمط شخصيته، إذ أكثر من قراءة كتب الأدب والفن والتاريخ والاجتماع في تلك الفترة، وأصبح يتردد على نادي الكويكرز والمسارح والمتاحف البريطانية العريقة، وعمل في إذاعة البي بي سي تلك المؤسسة التي تستظل بمناخ الحريات الغربية المطلق، وتعج بشخصيات مختلف جنساتها!أقرَّ الطيب صالح أن شخصيته تميل إلى الإنطوائية وحياة التأمل كما ذكر في بعض الحوارات الصحفية، لهذا لم يكن بمستغرب أن تشكل له قصص أبو سن – وآخرين بالطبع – جسراً للتواصل مع عالم جديد مفعم بالاثارة. لا سِيَّما وأنه كان يتلقاها بمتعة فائقة…لم يخف التصريح بها أحياناً، بل حاول في كثير من الأحايين تحريض قائلها على ذر المزيد على سمعه. وفي تقديري كان هذا عين ما دفع بالكثيرين للتركيز حول شخصية مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال. فقد إجتهد البعض واسقطها على شخصيات معينه في الواقع، ولم يشاء آخرون أن يجهدوا عقولهم وقالوا إنه الطيب صالح نفسه وما الرواية إلا جزء يسير من سيرته الذاتية، في حين إعتقد البعض أنه أحد الشخصيات السودانية التي تزاملت مع الكاتب في تلك الفترة وكانوا قلَّة، ويحضرني في هذا المثال أن الراحل الطيب صالح كان قد تحدث في ندوة عامة بقاعة الصداقة في مايو 2005 بعد عودته للسودان لأول مرة في ظل العصبة ذوي البأس، وقد عقَّبت الفنانة التشكيلية السيدة جريزالدا جوهرة قرينة البروفسير الراحل عبد الله الطيب، وقالت أن الطيب صالح استفاد من سير السودانيين الذين وفدوا إلى بريطانيا من أمثال مكي عباس ومحمد صالح الشنقيطي وعبد الله الطيب وآخرين، وتحدثت عن أن (غرفة) مصطفي سعيد في لندن كما صوَّرها الطيب صالح ببخور الند والصندل الذي يضوع منها، وتماثيل العاج والأبنوس المصفوفة، وصور فتيات الزاندي العاريات، والسجاجيد العجمية والستائر الوردية، تماثل تماماً غرفة الشنيقيطي، بيد أن الطيب عارضها تماماً في هذا الزعم!في الواقع لم يكن ثمة مناص من أن يغمض الطيب عينيه ويسهر الخلق جراء أعماله ويختصموا، أي لم يكن يُرجى منه أن يقول سوى ما قال، فما من أديب يجرؤ على كشف أسرار أعماله، وإلا ستكون تلك حماقة ستفقد رواياته رونقها وسحرها المتمثل في غموض شخوصها، وعليه ستظل شخصيات روايات الطيب صالح وعلى رأسها مصطفي سعيد طلسماً يثير غرائز حب الاستطلاع دون أن يتوصل كائن ما إلى حل لغزه، تماماً ككثير من الأسرار التي تركها الفراعنه وراء ظهرانيهم بعد رحيلهم، وما زال بعض علماء الاثار ينسجون حولها المبالغات دون أن يكذبها أحد. بل لن يستطيع أن يكذبها أحد طالما أصحابها يغطون في موت عميق! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في قلب هذا الجدل، ما هي حيثيات الاستاذ الراحل على أبو سن التي حدت به للاعتقاد على أنه كان المُلهِم للطيب صالح في روايته تلك؟ هذا إن لم يكن البطل الواقعي نفسه مصطفي سعيد لرواية صاغها خيال كاتبها ببراعة شديدة؟ وهو السؤال نفسه الذي تعرضت له مذكراته “المجذوب والذكريات وحاول كاتبها وضع النقاط على الحروف فيما إعتبره وقائع عمليه وشواهد مقارنة في هذا الصدد، والتي سنأتي على نذر منها دون أي تدخل (جراحي) يُعضدّها أو ينفيها، ولنترك هذه المهمة الجسيمة للقاريء الكريم لعله يتوصل لنتيجة تتوافق وقناعاته الخاصة التي تثري الحوار!بطريقة لا تخلو من المتعة والاثارة التي يستشفها القاريء لرواية الطيب صالح، يسرد علينا علي أبو سن ثلاث قصص شخصية عاش فصولها في مناخات تحاذي طقوس الرواية. كانت إحداهم مع صديقته سو دينزديل ولا ينسى إبتداءاً أن يُذكِّرنا بخلفيتها الاجتماعية ويقول «والديها يمتان بصلة قرابة مع هارولد ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا» وكانا قد التقيا وربطت بينهما علاقة عاطفية قوية، لكنه غادر فجأة إلى الخرطوم بقرار شخصي إتخذه مع السفير أمين أحمد حسين الذي كان يُلح عليه في الانضمام للسلك الدبلوماسي، وبناءاً عليه غادر بوعد ضربه لـ سو بأن يعود بعد ستة شهور، ولكن الظروف لم تساعده على الايفاء به، إلى ان فوجيء برسالة من زميلة في إذاعة البي بي سي تقول له فيها إن «سو ترقد في المستشفى، في حالة خطرة لأنها حاولت الانتحار»! لنتكشف معه أن للإنتحار خلفية درامية تعود إلى بداية العلاقة في العام 1962 «بعد أن هجرتها خوفاً من جنون إلحاحها على الزواج إختفت وغابت عن العمل، وذات يوم سمعت طرقاً على باب شقتي المطلة على هامستيد هيث وحينما فتحت فوجئت برجل مهيب وسيدة ليدى ودون مقدمات قالت لي السيدة: أنا والدة سو هل تذكرني؟ حينئذ تذكرتها، فقد زرتها في منزلها الفخم في ضواحي لندن حينما أخذتني سو – قسراً – إلى هناك، ولكن هول المفاجأة أنساني أياها. رفضا الدخول بلباقة. نظرت إليَّ أم سو برجاء تقذفه عيناها في حدة، وقالت: لقد وافقنا على أن تعود سو إليك..أرجوك أعتن بها، إنها طفلتنا الوحيدة. لقد حاولنا – فعلا – إبعادها عنك ولم ننجح. ولم ينبس الرجل المهيب مدير دار ماكميلان بكلمة! استدارا وغادرا. ولمرة واحدة إلتفتت الأم وابتسمت لي بعينين باكيتين»!يقول الطيب في موسم الهجرة إلى الشمال أن شيلا غرينوود بحبها لمصطفي سعيد قد حطَّمت رُكناً أساسياً في مجتمعها المحافظ والذي كانت تفوح منه رائحة التمييز العنصري النتنه، إذ قالت له: «أمي ستجن وأبي سيقتلني إذا علما إنني أحب رجلاً أسوداً، ولكنني لا أبالي» وعن تثقيفها الذاتي يقول الكاتب: «إنها كانت تحمل أفكاراً ماركسية، تنحاز لبشرية أكثر عدالة يعلو فيها شأن الطبقات العمالية الكادحة رغم أنها تعيش صراعاً داخلياً مع مسلمات مجتمعها وافكاره». أما في الواقع فيقول أبو سن إن الجدل أخذ طابعاً فلسفياً مع سو بعد عودتها من ألمانيا «في لادبروك قدمت لي نماذج جديدة من أصدقائها. كانت قضية فهم الأوربيين للدين الاسلامي تؤرق العرب ودخلنا سو وأصدقاؤها وأنا، في مناقشات كثيفة كنت أضطر فيها إلى عقد المقارنات بين الاسلام والمسيحية واليهودية، مع أن هذا المنهج لا يعجبني في مناقشة الدين كمنهج في العيش، أو كتصور لنشأة الكون ونهاية الحياة. وحينما يحضر المناقشات بعض الأصدقاء العرب كانوا أحياناً يحتدون في الحديث وكان المجذوب يرتاح جداً حينما أحدثه عن دفاعي الحار عن الاسلام واللغة العربية أمام أصدقائي الانجليز ومنهجي في اسكاتهم وإفحامهم»! ومثلما فعل الراوي في موسم الهجرة إلى الشمال، أسقط أبو سن فجأة مصطفي سعيد بصيغة قد تربك القاريء وهو أسلوب فعله في القصص الأخري أيضاً «لا يكاد يفرغ من ذلك حتى يذكرني بما قالته سو مرة لمصطفى سعيد: أنت يا حبيبي مسلم القلب، مسيحي الروح، يهودي العقل»! ذلك أيضاً يدعونا لتأمل شخصية آن همند في الرواية والتي يصفها الكاتب بأنها برجوازية تعشق عشقاً مادياً، ففي الوقت الذي كانت فيه «غير مستقرة عقائدياً فقد كانت مترددة بين اعتناق البوذية أو الاسلام»! أما إيزابيلا سيمور والتي كانت مسيحية متدينة وزوجة مخلصة غيَّر لها مصطفي سعيد حياتها تماماً لدرجة كفرت فيها بإلهها وحلَّ سعيد نفسه مكانه «المسيحيون يقولون إن إلههم صُلِب ليحمل وزر خطاياهم وإنه مات عبثاً. فما يسمونه الخطيئة ما هو إلا زفرة الاكتفاء بمعانقتك، يا إله وثنيتي، أنت إلهي ولا إله غيرك، أحرقني في نار معبدك أيها الإله الأسود، أقتلني أيها الغول الأفريقي، دعني أتلوى في طقوس صلواتك العربيدة المهيجة»!في القصة الثانية يحكي أبو سن عن ممثلة هندية جاءت في زيارة لبريطانيا ولفتت أنظار مجتمع البي بي سي بجمالها، وكذا الحاشية التي تهرول وراءها أينما ذهبت، وفيها يسقط اسم مصطفي سعيد للمرة الثانية بطريقة لا يُعتقد بأنها يمكن أن تفوت على فطنة القاريء «بينما كنا جالسين في نادي الاذاعة، ومصطفي سعيد – كما تعودنا أن نصبر عليه – إنتزعته من بيننا حفنة الارستقراطيين الانجليز في الاذاعة، الذين كانوا لا يجاملوننا نحن بمجرد التحية، ولكنهم يحبونه هو حباً جماً، فإذا بالممثلة الهندية تدخل النادي محاطة بالحشم والحاشية، توقفت الحاشية عند المدخل وإتجهت هي إلى البار حيث أكثر الارستقراطيين عجرفة جون نيويل مندمجاً في حديث ضاحك مع مصطفى وهما واقفان أمام خشبة البار. وقفت الممثلة بالقرب منهما، وبرأسها أومأت هالو في اتجاههما من دون الآخرين، وفوجىء الجميع بإقترابها منهما ودخولها في حديث مع مصطفي، زادت المفاجأة حينما أخرجت من حقيبتها قلماً وكتبت شيئاً أملاه عليها مصطفى سعيد، لم يطل بقاؤها في النادي أكثر من ربع ساعة وخرجت. وبعد شهور من ذلك، سألت مصطفى عن القصة كعادته وجدته حائراً في فهم ما يجري أمامه في الحياة! لقد زارته في شقته في منزل البارونة: (…) في وست هامستد، جاءته وكأنها طبيبة زائرة. نظرات فاحصة، أسئلة غريبة، واحتراس! اطعمها وسقاها. راودها فلم تستجب، سألها لماذا أنت هنا؟ أجابت: I just wanted to know what is it in you, that all the girls in the BBC are talking about?  أي أردت فقط أن أعرف ما هو هذا السر الذي فيك، والذي يجعل جميع الفتيات في البي بي سي يتحدثن عنك»!في خاتمة نراها مسكاً بحق، عندما فرغ أبو سن من سرد هذه الرواية على خليله وصفيِّه محمد المهدي المجذوب الذي سأل إن تكررت تلك اللقاءات؟ أجابه أبو سن بالنفي، فما كان من المجذوب إلا أن تمتم بشعر ينضح عشقاً: ألا ليت كل أثنين بينهما هوى/ من الناس والأنعام يلتقيان/فيقْضي حبيبٌ من حبيبٍ لُبانةً/ ويرعاهما ربي فلا يريان. فيقول له أبو سن «أنت تذكرني بما يرويه أهلنا عن شاعر البطانة الكبير الحاردلو قالوا إنه حينما كَبُر، كان يجمع حوله الشبان والشابات في قلب البطانة ويُعلمهم أصول الحب الصادق»! أما نحن يا سادتي فنقول ألا رعى الله العشق والعشاق…وليت قومي يتأملون، فمن يدري فلربما توسلنا بهم طريقاً يفضي للخلاص من الطواغيت التي جثمت على صدورنا، ويمسح الكوابيس التي عشعشت في عقولنا، ويستجلي الأوهام التي ظلَّ يروجون لها، بسؤالهم المستفز: أحلال دم البعوض أم حرام؟ في الوقت الذي ظلوا فيه يمتصون في دماء الخلق آناء الليل وأطراف النهار…ولم تَكِلُّ أيديهم من السباب…ولا تعبت ألسنتهم من ترديد الفاحش والبذيء من قول رضعوه من ثدي أيدولوجيتهم!  ونواصل الابحار في القصة الثالثة الاسبوع المقبل بحول الله. 

عن (الأحداث) 12/4/2009

 

لمزيد من مقالات الكاتب يرجى زيارة موقع الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبرى

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics.asp?FID=1  

عن فتحي الضو

فتحي الضو

شاهد أيضاً

رئيس وزراء حكومة بورتسودان .. (كمان وكمان)!

فتحي الضَّو سألني عديد من الأصدقاء والقراء ما إذا كنت أعرف أسباب ما فعل رئيس …

اترك تعليقاً