aibrahim@abdullahi4president.com
سبق لي القول إنني لن أبدأ حملتي الإنتخابية لرئاسة الجمهورية ببرنامج تام لام.وقد توخيت في هذا الإضراب حكمة أمريكية تقول إنك ستزيد الطين بِلة متى عالجت أزمة ما بنفس الفكر الذي ورطك فيها. فالسياسة غير الحب لا يجدي فيها القول: “وداوني بالتي كانت هي الداء”. فأخشي ما أخشاه في إعدادي لحملتي لرئاسة الجمهورية أن اقع تحت طائلة كتابة برنامجي بإهمال كمجرد طقس إنتخابي مما يطلبه الناخبون. فقوى بلادنا الحية ظلت صامتة (أو مصمتتة) عن البوح بأشواقها فوق منابر معلومة بفضل الديكتاتوريات المتعاقبة التي أغلقت باب الحوار الوطني واستمسكت بالبندقية والثابتة الفكرية المستعلية. وسينقضي وقت ما قبل أن تخرج هذه القوى بما تريده للوطن ولنفسها بعد تصفيته من درن المرارة والخيبة. والانتخابات الموعودة هي السانحة لتسترد هذه القوى عادة الحوار في شأنها وتستأنف ما انقطع من حديث توقعها من الوطن.
ووجدت مصداقاً لنفوري من التبرع بجهلي بشأن قضايا نهضة الوطن في ما قرأته مؤخراً عن اتحاد الغرف الصناعية. فبعد مؤتمره الصحفي الأخير نشر الاتحاد بياناً دعا فيه لإستراتجية وطنية للنهضة الصناعية بلغ الغاية من الأبانة وقوة العارضة ودقة التعبير. وأعترف بأنه “عدل رأسي” كمواطن ومرشح لرئاسة الجمهورية. وأكتب ما أكتب اليوم عرفاناً لهم بهذه المبادرة في تجديد الحوار الوطني الذي نتفاءل جميعاً بفتحه في مناسبة انعطاف بلادنا للتحول الديمقراطي والنهضة الوطنية.
من سماحة هذا البرنامج سعته. فيمكن من فرط هذه السعة أن تتبناه جهات انطوت في الماضي على ريبة أو ربما عداء للصناعة. وهذا كياسة في عقد التحالفات المرجو منها حشد الناس على صعيد النهضة الوطنية. ففي البيان حرص غير عادي على مصلحة العمال. فقد دعا إلى ربط الأجر بالإنتاج طمعاً في زيادة أجر العامل. واتبع ذلك بالمناداة بقوانين عمل صناعية تنقي أجواء العمل من الاحتقان وتدرب العمالة السودانية التي تراجعت أمام ثقافة العمالة الوافدة. كما دعا إلى أن تستثمر صناديق التأمين الاجتماعي والمعاشات في المنشآت الصناعية طالما كان مالها مما يبذله اصحاب العمل والعمال. وفي لفتة بليغة في إنسانيتها طلب البيان من إدارة الكهرباء توفيرها في غير وردية الليل (10 مساء إلى السادسة صباحاً) لأن 70 في المائة من العمال نساء ويحرم قانون العمل عليهن العمل في مثل هذا الوقت من اليوم. وحقيقة غلبة النساء بين العمال جديدة على مرشحكم هذا المشغول بالطبقة العاملة.
وفي البيان حرص مسئول على البيئة. فروج لمفهوم صداقة الصناعة والبيئة. مثل أن تقام منطقة كاملة للصناعات الجلدية بانتباه خاص لمعالجة مخلفاتها الصناعية. ومن أزكم أنفه نفث مدبغة الخرطوم بجهة الحلة الجديدة سيرى رأي العين في البيان كيف تصادق الصناعة البيئة بعد سوء تفاهم طال. وفي مناسبة صناعة الجلود استفزتني إحصائية سمعتها من الدكتور الفاتح عباس نائب أمين اتحاد الصناعات. قال إن 40% من جملة حصاد الجلود السودانية هي فاقد وطني لأنها تنقد من جراء السلخ التقليدي. وقيمة هذه الجلود المهدرة 20 مليون دولار. علاوة على أنها تلوث البيئة لأنها مما يلقى في الكوشة. والأوفق أن تنشأ صناعة مسالخ يخضع لها كل سلخ بما تسلم به الجلود من التلف وينظف البيئة ويوفر روثاً من مشتقات السلخ يٌوظف في توليد الكهرباء.
اعتنى برنامج الغرف الصناعية بمسألتين مما اشفق الناس أو أزعجهم دائماً. فقد حمل بيان اتحاد الغرف على شركات الدولة التي تخصصت في إغراق السوق بسلع رديئة رخيصة مدعومة في بلاد التصدير (وربما في بلدنا المستورد عن طريق الإعفاء الجمركي). فتنشأ بذلك منافسة جائرة مع الصناعة المحلية. وطالب البيان بتصفية تلك الشركات المتطفلة. وقد رأينا كيف أن هذه الشركات ( أو أشباحها) اخذت تؤرق مضاجع السودانيين في كل دورة تقديم لتقرير المراجع العام للبرلمان. وكان من نتائج هذه المنافسة الليئمة توقف 722 مصنعا عن الإنتاج. ودفع هذا بيان الغرف الصناعية لوصف وزارة الصناعة بالعجز في حماية الصناعة الوطنية.
من الجهة الأخرى انشغل بيان اتحاد الغرف كما ينبغي بجبايات الدولة على الصناعة التي اقعدتها عن الهمة. وفصَّل بصورة واضحة مضار ضريبة القيمة المضافة على الانتاج الصناعي. وفهمت لأول مرة هذه الضريبة كما لم أفمهمها من قبل. وطالب البيان بإعادة النظر فيها بصورة تكفل للصناعة الوطنية التنافس الندي مع صنائع الأجانب. ومن ذلك طلبه إلغاء القيمة المضافة على مدخلات الإنتاج في الميناء. فتلك المدخلات لم تدخلها القيمة بعد. فقيمتها التي استحقت الضريبة لا تقع لها إلا بعد دورة الإنتاج في المصانع.
أعادتني شكوى اتحاد الغرف الصناعية من هذه الجبايات إلى ما قرأته عن رسوم دولة الفونج. فلدولتنا الحاضرة قدرة شيطانية في استنباط المكوس وترويع المنتجين. فعلى الصناعة رسوم محلية بلغت 15 رسماً. وعليها رسوم ولائية بلغت سبعاَ. وعليها رسوم اتحادية بلغت ثلاثاً. والجباية هي الأصل في الدولة السودانية حتى السابقة للاستعمار. وما تغير شيء في طبيعة الدولة السودانية بعد هذه القرون المتطاولة. وهذا حديث نعود له في الأسبوع القادم.
إنني لأهني اتحاد الغرف الصناعية على هذه الوثيقة البرنامجية الوطنية الكريمة. وأتطلع لمتابعة همتهم في تنوير الناس والمسئولين بها للخروج من عنق الزجاجة. وليعلموا أنني قد اعتمدتها سلفاً اصلاً لخطتي في برنامجي في مسعاي الراهن لأكون على سدة الجمهورية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم