تأمُلات
hosamkam@hotmail.com
• حتى وقت قريب ظللنا نتفاخر بعاداتنا وتقاليدنا ونصر على أن السوداني هو الأفضل بين كافة شعوب الأرض من ناحية تمسكه بالقيم النبيلة وإصراره على التواضع والتأدب والنظر بعين الاعتبار لحرية، تفاصيل وأشياء الآخرين.
• لكنني أشعر بأن زمن السوداني الأصيل المتمسك بعاداته وتقاليده وأخلاقه التي نشأ عليها يوشك على الاندثار إن لم يكن قد انتهى فعلاً.
• ففي الآونة الأخيرة بدأنا نبرر لأنفسنا نماذج سلوكية لم نكن نقرها في السابق، لكننا نصر على التذرع بعبارات مثل " الزمن تغير"، " الحياة لم تعد كما السابق"، "الظروف صعبة" وغيرها من المبررات الواهية.
• منذ فترة ليست بالقصيرة نلاحظ أن بعض أفراد الجيل الجديد من أبناء وطننا لم يعد يشغل بال الواحد منهم سوى حريته الشخصية وأشياءه الخاصة دون أدنى اعتبار للآخرين كما كان الحال في العقود الماضية.
• أصبحنا نشاهد أنماطاً سلوكية غريبة في الأماكن العامة، فإن جلست مثلاً في مقهى لارتشاف كوب من الشاي وكان بجوارك شاب يدخن الشيشة تلاحظ أنه لا يجد حرجاً في ( بخ ) أنفاس شيشته على وجهك بدون أي حرج.
• وإن ذهبت لحضور حفل عام فإنك سترفع حاجب الدهشة لسلوكيات بعض الشباب الذين لا يهمهم كثيراً إن تضايق الآخرون أم انزعجوا، فالواحد منهم لا يتردد في الوقوف أمامك حاجباً عنك الرؤية تماماً، كما من الجائز عندهم أي تتمايل مجموعة منهم على أكتاف من يجاورونهم متاجهلين تماماً فكرة أن الآخر أيضاً أتى لذلك المكان للاستمتاع والمشاهدة، فيفسدون بمثل هذه التصرفات على غيرهم الأجواء تماماً ويجعلونهم يلعنون اليوم الذي فكروا فيه مجرد التفكير في الذهاب إلى هناك.
• وإن حاولت المشاركة في نقاش عام ببعض المنتديات التي يصر أصحابها على التمسك بمبدأ حرية التعبير، فإنك ستتأذى كثيراً من تعليقات بعض المتخصصين في الألفاظ النابية والكلمات الجارحة.
• لا شك عندي أن مثل هذه التصرفات المزعجة إفراز طبيعي للوضع السياسي والاقتصادي الذي تردى كثيراً في بلدنا خلال السنوات الماضية.
• ومفهوم أن مثل هذه الأوضاع السيئة تدفع البعض إلى سلوكيات محورها الذات ولا شئ غيرها.
• وطبيعي جداً أن يزعجك ويضايقك من يرى أن التكسب على حساب الآخرين صار ضرورة وأن الحياة باتت تتطلب ( فهلوة) وتغاضياً عن الكثير من القيم الجميلة.
• لكننا إن استمرينا في مثل هذه السلوكيات بحجة صعوبة الأوضاع أو تغير الحياة، فسوف نفقد الكثير جداً من مبررات وجودنا على هذه البسيطة.
• فحتى إن جارت علينا دولتنا وأفقدتنا الكثير من طعم الحياة، لابد أن نتمسك بحد معقول من قيمنا وتقاليدنا لأن استسلامنا بهذا الشكل سيقود إلى المزيد تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية.
• تنظر إلى قطاع الكرة فيبدو لك واضحاً أن الأساليب والسلوكيات قد تغيرت للأسوأ نتيجة الخضوع التام لبعض رجال المال الذين يسعون للنجومية والشهرة بكافة الوسائل حتى إن كلفهم ذلك دفع رشاوى ي للبعض لكي يروجوا لفكرتهم وطريقتهم.
• تتأمل مجالات مثل الفن والإعلام فتجد أن المجاملة والمحسوبية صارت هي ديدننا، فهناك من يلمعه البعض ويروجون له كمطرب لمجرد أن والده مغني أو شاعر، أو أن صديقه ملحن أو إعلامي مرموق، و هناك من يُفرض أو تٌفرض على الناس كمقدمة برامج أو مذيعة لاعتبارات لا علاقة لها بالمؤهلات أو الموهبة، وهناك من يكتب لمجرد أن صديقه صاحب جريدة أو رئيس تحريرها.
• وكثيراً ما وضعنا عناوين براقة لأعمال لا تمت لعناوينها بصلة.. فأنت تسمع حديثاً مثلاً عن نجوم الغد ورغبة القائمين عليه في رفد البلد بالمواهب بعد صقلها، لكنك في واقع الأمر تشهد شيئاً مختلفاً، حيث يصعب على استيعاب فكرة أن تتحول كل البلد لمغنيين ومغنيات.
• كثيراً ما سمعت النصائح المقدمة خلال البرنامج لأحد نجوم الغد المفترضين وهي غالباً ما تنسف فكرة أن يصبح مطرباً بالنظر لفقدان كذا وكذا من موهبة المغني لكنهم ( لجنة التحكيم) – رغم احترامنا التام لمؤهلاتهم وقدراتهم- يقولون له إن راعيت هذه الأمور فسوف يكون لك شأن كبير!
• طبعاً بهذا الشكل من السهل جداً أن نغني جميعاً ونتحول لمطربين ولا أدرى وقتها من سيسمع!
• وغريب أيضاً أن نتحدث عن نجومية مستقبلية لهؤلاء الشباب وفي نفس الوقت نسمع عن جولات فنية خارجية يقومون بها برفقة القائمين على البرنامج لإحياء حفلات عامة!
• أما في المجال السياسي فحدث ولا حرج، حيث يمكنك أن تصل لأعلى درجات السلم الوظيفي معتمداً فقط على الولاء السياسي لأحد الحزبين الحاكمين أو الأحزاب المتآلفة معهما.
• وفي نفس الوقت يجد أصحاب المهارات والمؤهلات والقدرات صعوبة بالغة في تحقيق أي هدف ما لم يتنازلوا ويقدموا فروض الولاء والطاعة لأصحاب السلطة والجاه.
• كل ما تقدم نتائج طبيعية لما نحن فيه ، لكن رغم كل شئ لابد من سؤال نطرحه على أنفسنا إلى متى سيستمر هذا الوضع وأين سنجد أنفسنا في النهاية!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم