السودانيون: عثرات متواصلة ولعب فى الزمن الضائع!! … بقلم: د. على حمد إبراهيم
تتحرك جهات سودانية عديدة هذه الايام فى عدة اتجاهات متقاطعة قبل اشهر قليلة من حلول موعد الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان . فهنا حراك تقوم به الحركة السياسية السودانية الشمالية لانقاذ وحدة البلاد من التشرزم الوشيك. وهناك تحرك تقوم به جماعات جنوبية عديدة تدعو فى حماسة متزايدة للتأكيد على خيار الانفصال ، يثير حميتها واندفاعها ما تحس به من تعاطف وتاييد يأتيها من خارج الحدود بصفة خاصة . كلا الحراكين يأتيان فى الزمن بدل الضائع اذا استدعينا لغة أهل كرة القدم .فقد استكانت هذه الجماعات الى نوع من البيات الشتوى على مدى خمس سنوات قضتها تمنى نفسها بأن معجزة ما سوف تتنزل من الملاك الأممى ومن السما لتحل المشكل السودانى التليد وأهل البلد التعيس يتفرجون فرحين بما أتاهم العالم من فيضه . البيات الشتوى الطويل هذا اخذت آثاره السالبة تطفو اكثر على سطح الجانب الشمالى من طرفى المعادلة . فقد انتبه النائمون على الاحلام الوردية من الشماليين فجأة ليجدوا ان الحادى عشر من يناير من عام 2011 يطرق ابوابهم بقوة وهم فى غفلة من امرهم . السيد باقان اموم ’ وزير السلام فى حكومة جنوب السودان ، والامين العام للحركة الشعبية ، رجل متقد الذكاء ، وواسع الثقافة ، وملم بالارث الاجتماعى السودانى الجمعى بصورة تدعو الى الاعجاب اذا اخذنا فى الاعتبار بيئة المنشأ والاغتراب الطويل الذى وجد فيه السيد امومنفسه وهو بعد شاب يترسم خطاه فى زمن لم يكن مواتيا كله . حالة الربكة والاندعاك التى يموج فيها السودانيون الشماليون هذه الايام وهم فى فزع وخوف على مصير بلد بحجم قارة استلموه موحدا وآمنا وواعدا ، فاسلموه لما يشبه الهلاك . هذه الحالة الشمالية جعلت السيد اموم يهّون على الشعب السودانى ، ويذكره فى سخرية قاطعة بأنه فعل ، ما اعتاد عليه منذ الازل : أن يؤخر تأدية اعماله الى الساعة الاخيرة ، قبل ان يحاول انجاز تلك الااعمال فى الزمن الضائع فى هرجلة وارتباك ، يشمل ذلك حتى عادة تجهيز ملابس العيد لاطفاله ، ليأتى العيد ، وكثير من اطفاله بلا ملابس جديدة . السيد اموم عمم السخرية على كل السودانيين ولكنها تنطبق بصورة الصق على السودانيين الشماليين . فجلابية العيد هى زى السودانيين الشماليين اساسا . واذا نظرنا فى ما حدث منذ توقيع اتفاقية نيفاشا من بيات ، فسوف يتضح لنا حجم صدق تشخيص السيد اموم للحالة السودانية المزمنة . فقد مضت خمس سنوات على تشكيل حكومة شريكى اتفاقية نيفاشا – المشكلة اساسا من حزب المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية التى اوكل اليها تنفيذ اتفااقية السلام واجراء انتخابات التحول الديمقراطى ثم فى آخرالمطاف اجراء استفتاء تقرير المصير الذى يمنح مواطنى جنوب السودان جق الاختيار بين الاستمرار فى الوحدة مع شمال السودان او الانفصال وتكوين دولة الجنوب الجديدة . كانت هذه الترتيبات معروفة تماما للحركة السياسية الشمالية . وكانت معروفة تماما النتائج التى سوف تفرزها تلك الترتيبات . وهى نتائج كان متوقعا أن يغلب فيها خيار الانفصال اذا لم يتم التعامل مع ترتيبات اتفاقية نيفاشا بالجدية والحزم المطلوب. ورغم وضوح تلك المؤشرات عمد الشريكان الى تضييع الوقت الثمين فى مناكفات و مشاكسات ومهاترات جانبية كان سببها الاساسى حرص كل طرف على تحقيق مكاسب حزبية آنية تؤمن له مستقبلا سياسيا آمنا ,. من هنا حرص كل طرف على التمسك بتفسيره الخاص لبنود اتفاقية السلام. حدث هذا وتكرر رغم التذكير المتكرر من قبل وسطاء عملية السلام العالميين والاقليميين بأن الوقت اخذ فى النفاذ . الشعب السودانى ممثلا فى قطاعاته المختلفة ذات المصلحة الحقيقية فى السلام وفى التحول الديمقراطى الموعود ، ابدى هو الآخر قلقه وانزعاجه من مماحكات الشريكين و نظرتهما الضيقة القاصرة للأمور . ولكن الشعب السودانى ظل مغيبا من أى حراك وطنى حقيقى على مدى عقدين من الزمن ولم يعد فى كنانته اكثر من التبرم والاحتجاج غير النافذ . وهكذا استمرت حالات التقاعس المشترك بين الشريكين ، واستمر معها نفاذ الزمن ، حتى اذا طرق الموعد المحتوم ابواب المتقاعسين المتشاكسين ، خرجوا يتصايحون ، كل يلوم الآخر ، ويبرئ نفسه . وكانت قمة السخرية والاستهزاء بعقل المواطن السودانى فى الجنوب والشمال أن يحاول حزب المؤتمر ، وهو صاحب اليد العليا فى السلطة القائمة ، أن يحاول التغطية على ما حدث من استهتار وعدم جدية على مدى خمس سنوات عن طريق ارسال الحشود السياسية الرسمية وبصحبتها مؤن اغاثية ، و مشروعات تنموية صغيرة ، مدرسة هنا ، وشفخانة طبية هناك ، وقامت فرق عنائية تغنى لانسان الجنوب . و تخاطبه عاطفيا من على البعد ، وتدعوه للتمسك بخيار الوحدة ! كان يكفى بديلا عن هذا العمل السطحى المرتجل – ان تنفذ السلطة القائمة البنود المنصوص عليها بوضوح لايحتاج الى مزيد من الشروحات او الى مزيد من الجدل البيزتطى . قضية انسان الجنوب لم تكن فى يوم من الايام هى فقط الحاجة الى مدرسة هنا وشفخانة هناك ، انما قضية الاعتراف بكينونته الثقافية والدينية والاجتماعية والانسانية ، اعترافا يقنن تشريعيا وسياسيا و سلوكيا . الانسان الجنوبى كان كما سياسيا مهملا فى سياسات بلاده الخارجية منذ مولد دولة السودان المستقلة المتحدة . الانسان الجنوبى ليس فقط لم يستشر فى نوع العلاقة التى تربطه بدولة المركز الشمالى فى فجر الاستقلال ، انما وجد نفسه مصنفا تلقائيا مواطنا عربيا فى دولة عروبية اسلامية ، منحازة الى قضايا الأمة العربية الى درجة الدخول فى الحروب نصرة لتلك القضايا. ووجد الانسان الجنوبى نفسه مقاتلا ومقتولا كجندى عربى اسلامى على ضفة القناة مرة او فى ساحات الفداء العربية الاخرى!
لا توجد تعليقات
