ياثوار مصر إنتبهوا: جول إسرائيلى فى المرمى المصرى
د. أماني الطويل
28 December, 2011
28 December, 2011
د. أمانى الطويل *
فى خضم معركة المصريين لنيل حريتهم , وإستشهادهم للإعتراف بكرامتهم الإنسانية , زار رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ماردييت إسرائيل فى خطوة كانت متوقعة للمراقبين والخبراء ولكنها ربما تكون مفاجئة للشارع المصرى المشغول بمعارك بناء دولة مصر الجديدة هذه الزيارة قد يعتبرها البعض طعنة فى الظهر خصوصا وهو يعلم أن بعض المساعدات المصرية قد ذهبت الى جنوب السودان من موازنة بلاده المحدودة. وقد يعتبرها آخرون بداية لتهديد حقيقى للشعب المصرى تقوده جنوب السودان لكن فى الأخير علينا أن نعرف لماذا ذهب كير لإسرائيل وهل فرصتنا مازالت سانحة لحماية مصالحنا فى جنوب السودان ؟
الدعم الإسرائيلى لجنوب السودان قديم مؤسس على إستراتيجية وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلى بن جوريون فى الخمسينات تقوم على أساس التفاعل مع الأقليات– (الأقباط ,الأكراد , الأمازيغ , الجنوبيين السودانيين ) بحسبان أن هؤلاء ذخيرة مؤكدة يمكن - وفقا للتقدير الإسرائيلى - تطويعها , وقد دعمت نظم الحكم العربية المخطط الإسرائيلى بطريق غير مباشر حينما فشلت فى إحتواء الأقليات وإدارة التنوع داخلها ,ولعل حالة السودان نموذج ممثل لهذا الفشل بإمتياز . وربما نكون نحن أيضا على نفس الطريق إذا تم تجاهل أسس المواطنة المتساوية فى دستورنا الجديد وأسسنا لحقوق الأغلبية فقط دون توافق وطنى مع الأقلية من الأقباط .
المهم هنا أن الإستراتيجيات الإسرائيلية قد طورت فى التسعينيات من القرن العشرين بنوعين من الأدوات الأول فريق من الخبراء السياسيين الذين عملو سفراء لإسرائيل فى دول القرن الإفريقى والثانى مركز ديان للأبحاث بجامعة تل أبيب الذى يدرس عن كثب أوضاع الأقليات داخل الدول العربية ويرصد موقفها مع نظم الحكم من جهة , وتفاعلاتها الداخلية من جهة ثانية . وقد تحولت الإستراتيجيات الإسرائيلية بفضل هذه الأدوات من آلية شد أطراف الدول العربية التى وضعها بن جوريون الى آلية بتر أطراف الدول العربية ( جنوب السودان ) وتهديد الأمن القومى المصرى بشكل مباشر عبر تعظيم أوراق الضغط الإسرائيلية ضده .
بطبيعة الحال تتابع وزارةالخارجية وأجهزة الأمن القومى المصرى الإستراتيجيات الإسرائيلية ومدى ماتحققه من نجاح على الأرض فى جنوب السودان ضد مصر, وقدمت تقدير موقف صحيح فيما يتعلق بضرورة الإعتراف بدولة جنوب السودان , ولكنها فى المقابل أعتبرت أن هذا الإعتراف والمساعدات الإقتصادية المحدودة نسبيا لجنوب السودان يمكن أن تكون كافية , لمواجهة كثرة بل وزيادة الأوراق الإفريقية فى يد إسرائيل ضد المصالح المصرية .
من المؤكد فى تقديرى أن توجهات ثورة مصر المرعبة لإسرائيل , وصعود التيار الإسلامى فى مصر عبر صناديق الإنتخاب المقلق لدولة جنوب السودان قد شكل أساسا لعلاقة إستراتيجية يؤسسها الطرفان حاليا , ذلك أن توقعات الجنوبيين السودانيين تصب فى إتجاه أن التيارالإسلامى المصرى سوف يقوم بتقديم دعم غير محدود لحكومة شمال السودان الإسلامية ,فوفقا لمعلومات غير مؤكدة لدينا أن الأخيرة قد قدمت دعما ماليا الى جماعة الإخوان المسلمين قبيل الإنتخابات ,وربما هذا التقدير يكون منطقيا فى ضوء ماأعترف به الرئيس السودانى عمر البشير من تقديمه أموالا وأسلحة للثوار الليبيين , ثأرا من نظام القذافى الذى دعم الحركات الدارفورية ضده , وتقديرا أن الصاعدين الى السلطة فى ليبيا ينتمون الى التيار الإسلامى بما يشكله ذلك من دعم للسودان الشمالى .
من الأفضل لمصر والمصريين الان بعد الجول الإسرائيلى فى المرمى المصرى ألا ينظروا لزيارة سلفا كير من زاوية تخوينه المطلق ,أو عدم تفهم داوفعه المرتبطة بأمرين أولا موازنة التهديدات التى يواجهها من شمال السودان وربما مصر إذا تحالف الإسلاميين فى الدولتين , وثانيا رغبته فى تنمية إقتصادية لبلاده ضن عليه العرب الخليجيون بتمويلها مع مايملكونه من أموال باهظة , وعجز رجال الأعمال المصريون أن يقدموا عليها فى ضوء إعتباراتهم القائمة على مبدأ الربح فقط دون إعتبار لمصالح بلادهم الوطنية , خصوصا وأن مؤسسات الدولة المصرية لم تنجح فى الضغط على رجال الأعمال فى هذا الإتجاه رغم حجم التسهيلات التشريعية الهائلة التى حصلوا عليها لتنمية أعمالهم , وحجم القروض الكبير الذى حصدوه من البنوك العامة المصرية أى من أموال الشعب .
المطلوب الان السعى الى طمأنة المخاوف السودانية الجنوبية المتصاعدة , وأعتبار أن ساحة جنوب السودان هى ملعب للتنافس المصرى الإسرائيلى متاح دائما فيه تسجيل الأهداف المصرية , خصوصا وأن لاوجدان شعب دولة جنوب السودان ولا موقف نخبته معاد لمصر بل أن الجميع يذكر بالخير المساعدات المصرية المتواصلة على محدويتها ولعل من هذه الزاوية يمكن أن نفعل المخزون الإيجابى المصرى فى جنوب السودان عبر عدد من الخطوات التى آراها أساسية منها :
أولا :تقديم كل من جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب الحرية والعدالة مع نواب الأحزاب السلفية تصورا واضحا للرأى العام المصرى إزاء موقفهم من العلاقة بدولتى السودان وهل سوف تستمر الإستراتيجية المصرية بالتوازن بينهما أم أنهم سوف يقدمون على ترجيح كفة دون أخرى خدمة للمشروع الإسلامى وقفزا على المصالح الوطنية المصرية .
ثانيا : أن يبادر البرلمان المصرى بمجرد إنعقاده وطبقا لخطة عمل واضحة بزيارة دولتى السودان وتوضيح موقف دولة مصر من التعاون الإستراتيجى الإسرائيلى مع دولة جنوب السودان , والإستماع بإنتباه الى متطلبات التنمية فى جنوب السودان والعمل قدر الطاقة على تلبيتها .
ثالثا : السعى الى تدشين تعاون مصرى عربى لتمويل مشروعات التنمية الجنوبية , بأياد عربية ,وليست آسيوية لتساهم فى تحسين صورة العربى فى إفريقيا بشكل عام وفى جنوب السودان بشكل خاص , علما بأن هذه الخطوة تلبى المصالح الخليجية فى إمكانية الحصول على منتجات زراعية إستراتيجية من جنوب السودان عبر آلية تبادل المنافع .
رابعا : السعى لدى قيادة دولتى السودان لتخفيف التوتر بينهما خصوصا وأن الموقف الأمريكى المعلن لم يدعم تغولا جنوبيا على حساب الشمال , ودعى الجنوبيين الى إحترام شروط إستقرار دولة شمال السودان بعد تكوين تحالف كاودا من الفصائل المسلحة فى دارفور , من هنا قد تكون قدرات اللاعب الإسرائيلى مرتبطة نسبيا بالموقف الأمريكى .
خامسا : السعى لتفعيل أوراق الضغط المصرية ضد إسرائيل فى البحر الأحمر والتراجع عن تمرير أسلحة للقواعد الإسرائيلية عبر قناة السويس وهى المسألة التى كشفها الجنرال يعقوب عميدور فى يونيو 2010 فى شهادته أمام مجلس الأمن القومى الإسرائيلى مشيرا الى طبيعة وحجم الأسلحة التى عبرت قناة السويس لموازنة الوجود العسكرى الإيرانى فى البحر الأحمر .
سادسا : فتح حوار عربى عربى حول منظومة أمن البحر الأحمر بعد تدويله وتعدد اللاعبيين الدوليين فيه بما يصون مصالح الدول العربية المطلة عليه وربما يكون من المناسب أن يكون هذا الحوار تحت مظلة جامعة الدول العربية التى لديها خبرات فى هذا الملف الشائك .
المهم أخيرا أنه علينا الإنتباه أن نضال المصريين من أجل الديمقراطية وثورتهم للحصول على كرامتهم الإنسانية لاينبغى أن تشغلهم عن المهددات المحيطة بهم وأن أجوان الشعب لابد وأن تكون بالتوازى مابين ميادين التحرير المصرية والعواصم الإقليمية والعالمية ياثوار مصر إنتبهوا من فضلكم
*مدير الوحدة الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات
نقلا عن جريدة الشروق المصرية
Amany Altaweel [aaltaweel04@yahoo.co.uk]