عن عبدالله مســار .. بقلم: عبدالله علقم

(كلام عابر)

فور تعيينه وزيرا للإعلام، بادر السيد عبدالله مسار ليبشر الناس  بزمن  جميل قادم من الحريات في عصره  وعلى وجه الخصوص حرية الصحافة،وحرية تدفق المعلومات والوصول إلي مصادرها. ولم يفت عليّ أن أمثال عبدالله مسار مجرد “تمامة عدد” في  مركبة مزدحمة بمن فيها وأن تقلبه في المناصب يتخير منها ما يشاء ما هو إلا استكمالا ديكوريا لصورة القومية والتعددية،  وترسيخا  للانقسام  في حزب الأمة  والحفاظ بنظرة قاصرة  علي استمرار  ذلك الانقسام  لأطول فترة ممكنة رغم أن المنشقين لا يملكون وجودا جماهيريا يذكر، فضلا عن أن السيد مسار لا يملك حلا لأزمة  الحريات، وما ينبغي له، وهي أم أزمات الوطن. لم يفت عليّ كل ذلك لأن اكتشاف “ديكورية” السيد مسار وحزبه لا يحتاج لجهد ذهني ،  ولكني رغم ذلك  كتبت ذات مرة، في عمودي الراتب في صحيفة “الأخبار” رد الله غربتها،  مناشدا السيد مسار أن يتدخل فيكف الأذي الذي ظل يلحقه فرع جهاز الأمن الوطني بمنتدي شروق الثقافي في القضارف ويعيد له  ممتلكاته التي لا تتعدى في مجملها  “ساوند سيستم”  ولافتة، صادرها منه  الجهاز عنوة واقتدارا، ويسمح له بمزاولة نشاطه الثقافي ، تأكيدا لما بشر به السيد مسار من زمن جميل قادم، لا سيما وأن فرع الجهاز القوي المتمكن  قد امتنع عن تنفيذ  توجيهات أو أوامر  والي الولاية السابق (المستقيل أو المقال) السيد كرم الله عباس، برفع الحظر عن نشاط منتدى شروق، ولم يأبه بها. 
كانت الأحداث اسرع من قدرة الراصد أو المتابع على الرصد أو المتابعة، ولم يكن في الوقت متسع  للسيد مسار  للاستجابة لمناشدتي أو حتى  الاطلاع عليها، فلم تمر إلا أيام قليلة حتى غادر السيد مسار مقعده الديكوري بالاستقالة أو بالإقالة عقب حرب كلامية مخزية مع أحد موظفي  وزارته تجسد الحال البائس،  وحاول السيد مسار أن يمارس حقه كوزير يايقاف الموظف عن العمل توطئة لإحالته  للتحقيق ، ولكن يبدو أن السيد مسار قد تجاوز دوره الديكوري   وسرعان ما تدخلت جهات تملك السلطة الفعلية لتنقض  قرار الوزير ، فغادر الوزير مسار الوزارة وبقي ذلك الموظف العملاق  المتمكن في موقعه. ولكن لأنه،أي  السيد مسار، ليس من النوع الذي يقبل الهزيمة ، سارع بعد الاستقالة أو الإقالة ليؤكد في لقاء صحفي  أنه استقال بكامل إرادته ولم يقله أحد وأنه شريك وحليف للنظام وليس مجرد “تمامة عدد” ، وهي مقولة لم  يثبتها واقع الحال، ولكن من المؤكد أن السيد مسار، بنفسه الطويل،  سينتظر فرصة استوزار أخرى بعد أن تهدأ الأمور. كانت مناشدتي للسيد مسار بالتدخل لرد ممتلكات منتدى شروق الثقافي وكف أذي جهاز الأمن عنه في غير موضعها لأن الرجل لم يكن يملك أمر وزارته فكيف له أن يتدخل ويتشفع لدى الغير خاصة إذا كان ذلك الغير هو جهاز الأمن نفسه؟
وقد سمعت حكاية رواها السيد عبدالله مسار بنفسه في مجلس محدود الحاضرين في مدينة جدة قبل بضع سنوات. قال إنه لما كان واليا على المديرية الشمالية ، في مرحلة من مراحل تبضعه المستمر من السلطة والوظائف، وفي إحدى جولاته الميدانية لتفقد الرعية مر رتل سيارت موكبه بقرب قرية  صغيرة مهجورة لا تذكرها خرائط الجغرافيا وليس فيها سوي عدد قليل من البيوت. اشار للموكب في ذلك الطريق المهجور رجل يحمل قفة على كتفه،أشار له بالوقوف فتوقت سيارة مسار التي كانت تتقدم الموكب فدلف الرجل إلى السيارة وأفرغ داخلها كل حمولة القفة من التمر ترحيبا بالزائرين الذي قادهم الطريق إلى المرور بقريتهم التي لم تطأها قدم مسئول من قبل. حسب السيد الوالي  أن الرجل يطلب مساعدة ما لكنه أدهشهم جميعا حينما قال لهم إن التمر هدية للزائرين وتحريب بهم. سأله مسار مرة أخرى إن كان يطلب شيئا ما، فكان رد الرجل  كما قال السيد مسار لمن كانوا في مجلسه في جدة درسا بليغا له ولمرافقيه في جولته ولكل طامع في متاع الدنيا أو عاشم في عطية حاكم . قال لهم ذلك الرجل الأشعث الأغبر  انه يستحي أن يطلب من الخالق عزّ وجل ، فكيف له أن يطلب المخلوق!! ثم قفل الرجل راجعا إلى القرية  والقفة الفارغة تتدلى من يده غير آبه بالسيد مسار وموكبه ورتل سياراته، زاهدا في دنياهم  وفي الحاكم وفي عطاياه. يومها قال السيد مسار للحاضرين إنه قد تعلم دروسا بليغة  من ذلك الرجل.
وسواء تعلم السيد مسار الدرس أم لا فسيظل هو ومن نحا نحوه  جزءا مكملا  لمشهد  الحزن الكبير  الذي يعيشه الوطن.
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً