رأيت دلائل النضج الإستراتيجي في لفتتنا المؤثرة الموقِرة للذكرى الأولى لوفاة ملس زناوي رئيس ورزاء أثيوبيا الراحل. فساهمت فيها الدولة والمعارضة والمجتمع المدني مما يعني أن بعض المعاني مثل علاقتنا بأثيوبيا من ثوابت الوطن المرعية لا تخضع لأمزجة السياسة المحلية وشططها. فقد ذهب الرئيس البشير حضوراً للذكرى في عقر دارها: أديس أبابا. وتبرع بمليوني دولار مساهمة لمشروع لتخليد الزعيم الراحل. وكان من سوء الحظ مجيء خبر هذه الهدية والدولة واجمة مغلولة اليد تجاه مصيبة خراب السيول الأخيرة. فؤاخذها من أراد. كما نشر السيد الصادق من المعارضة كلمة عنونها “سبعة نياشين على صدر ملس مناوي” ألقاها في حفل تأبين مشترك بين جمعية الصداقة السودانية الأثيوبية والسفارة الأثيوبية برعاية زين. وشرفت الحفل أرملة الرئيس الراحل.
يستحق ملس هذه القومة. نعاه لنا مصطفى إسماعيل في التأبين كفقد لنا وللعالم وكصاحب مدرسة في الحكم والإدارة. وقلده الإمام سبعة نياشين منها اعترافه بالتعددية الدينية والإثنية وتبنيه للامركزية. وميّزه لحفاظه على درجة من المشاركة السياسية وحرية الرأي برغم ما وجه له من نقد من هذه الجهة. وأثنى عليه كشخص يحسن الاستماع إلى متحدثه وفيه لباقة.
وتوقفت بالذات عند قول الإمام إن ملس بدأ ماركسياً ثم أدرك، لمّا آل إليه الحكم، أن تلك مرحلة بناء الوطن والتنمية هي برهان النجاح. وجاء الإمام بعبارة مهمة. فقال إن الرجل عبأ الشعب بالماركسية ثم أدرك ما أدرك. وأهمية العبارة تنبع بأنه جرى بالفعل توظيف الماركسية في أفريقيا وغيرها كأدة تحشيد موقوتة. فأنظر موقابي زمبابوي مثلاً. وحتى الصين عبأت شعباً غزيراً بالماركسية التحشيدية الصارمة وتمخض الجبل عن صين حديثة لا صيناً اشتراكية. ولكن قد لا أتفق بالطبع مع الأمام في إيحائه بأنه ربما كان ثمة تناقضاً بين الماركسية والتنمية. فلو يذكر أن أستاذنا عبد الخالق محجوب قال في برلمان 1968، والإمام رئيساً للوزارة أو زعيما للمعارضة، إن التنمية هي المهمة السياسية العاجلة. وإغفال أستاذنا لنوع التنمية جلب له سخرية صلاح أحمد إبراهيم المتربص. فنشر مقالات في “الصحافة” بعنوان “الكلام على اللون” نقده فيها لأنه لم يقل التنمية الاشتراكية. ولكن أعترف للإمام أن الماركسية ظلت أداة نفرة وتحشيد في أحسن استخداماتها في أفريقيا ولم تتح لها الفرصة بعد لتسفر عن ملكاتها في تنمية المجتمع. ولم أدرس تجربة ملس بكفاية لاحكم إن كان قد تمسك بالعروة الوثقي بالماركسية في ما ينسب له من كسب في جبهة التنمية.
ربما منعنا ذكر محاسن الموتى الإستراتيجيين من ذكر واحدة من نواقص ملس الكبرى في حقنا كمسلمين. فقد غاب عنا وميادين أديس أبابا وغيرها من المدن تعج بالمسلمين المحتجين على قلة شأنهم في عهده. وأسعدني أن ذكر هذه المنقصة السفير محجوب الباشا. فذكر ضيق الفرص ما يزال أمام المسلمين في الحياة الأثيوبية، وبخسهم في الإحصاء الذي يقول إنهم 30% من السكان بينما يقولون إنهم 60% منهم. وأضل من ذلك فرض عقيدة مسلمين تعرف ب”الأحباش” عليهم بواسطة المجلس الإسلامي الجانح للحكومة. وفصّلت ذلك في مقال لي بالجزيرة نت. وأكتفي بالقول هنا إن الأحباشية تزعم الوسطية وتختصم مع أنصار السنة المتهمين بالتطرف ولذا استحسنتها الدولة الأثيوبية. وقلت إن هذا التحكم في عقيدة المسلمين ليس من التعددية في شيء فحسب بل يرجع بنا إلى عهد أمبراطورية الأثيوبية التي شرعت لمحو الإسلام من وجه بسيطتها في القرن التاسع عشر.
وددت لو استصحبنا في حفاوتنا بذكرى ملس هذه النقيصة في حقوق المسلمين الثقافية ببلد الرجل. فمن حسن الأخاء الإستراتيجي ألا نخفي عن الدولة الأثيوبية صدق شعورنا بأخوة لنا في الدين.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم