كندرو مندرو: التعليم والبركة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

حين سمعت بخبر قرار ولاية الخرطوم منع البناء بالجالوص بعد كارثة هذا الخريف طرأت لي فكرة عن أزمة تعليمنا (ليس في عهد الإنقاذ وحده) أذعتها مراراً في السنوات الأخيرة. ففي اعتقادي أن التعليم الذي أسست له بخت الرضا في الثلاثينات استلب المنتفعين به من ثقافة محيط أهلهم. فهو يباعد بين التلميذ وبيئته بصورة مطردة بل ويبث فيه ذعراً منها لأنها “بدائية” ولن يلج السودان رحاب الحداثة ما لم ينفد بجلده من إرثها. فبخت الرضا صريحة في أنها أنشأت مدرسة غنية لمجتمع فقير في الثقافة. وتذكرت بتحريم البناء بالجالوص حكايتين. الحكاية الأولى عن إداري بشمال كردفان كتب عن وجوب أن يركب الكبابيش في رحلاتهم الموسمية العربة الأوربية المسماة “كرفان” التي تترحل بها الأسر خلال عطلاتها الصيفية. أما الحكاية الثانية فوردت عند الوزير أمين التوم في كتاب ذكرياته عن تحوله المباغت العجيب من حضارة الطين إلى حضارة البلوكات والأسمنت والحدائق الغناء بدخوله كلية غردون. فخريج المدرسة الحديثة أخذه الغرب عنا. فهو مضرب عن خدمة الشعب ما لم يتواضع على مساكن الغرب وكرفاناته أولاً وقبل كل شيء.
لم يقع لنا من المدرسة الحديثة ما يؤمله المرء من المتعلم. فخريف هذا العام كشف عن القطيعة المؤكدة بين حضارة غمار الناس الطينية ودولة الصفوة الأسمنتية. وما تزال الأشياء الجميلة تتنزل علينا من ثقافة المحيط التي استدبرتها المدرسة الحديثة. وقد اعترف بفضل هذه الثقافة رجال في قامة محمد المهدي المجذوب وإسماعيل عبد المعين. فقال المجذوب في “نار المجاذيب” إن شعره انعقد من مرويات ” سِيَر التاريخ الحافل بالمآثر أَخذاً عن جدتي الحافظة ، المعلمة الذاكرة ، السيدة الحاجة مريم بنت الولي الصالح الحاج “عطوة “المغربي” الخفاجي “، والسيدة البرّة الكريمة ، أم الأضياف البرّة الوّهابة ، بنت وهب بنت النقر ، رضوان الله عليهما ورحمته وبركاته”. ولم يذكر المدرسة الحديثة إلا سلباً. فقال: “وانتقلت بعد الخلوة القرآنية في الدَّامَر إلى مدارس الحكومة في الخرطوم  وحتى تخرجت من كلية غردون. ولم ألق بالاً بوعي كامل إلى هذه المدارس ، ولم أمنع نفسي من شرورها وقشورها ، وما زلت أعاني من أمورها” .
أما عبد المعين فاستمعت له منذ أيام في تسجيل للتلفزيون أظهر فيه عرفاناً جماً لثقافة المحيط عليه. فأنتبه أول ما أنتبه للنغم من جدته فاطمة قور وهي تنقر على “بخسة” (قرعة ناشفة مجوفة) وهي تحكي وتنوني عن فتاة تفخر على بنت عمها بجمال شعرها:
يا أم قرقدي جبدي
كان يبقى زي حقي دي
ثم استطاب صبياً غناء أم الفقرا حاجة زيتونة زوجة شيخ القادرية في منقلا بالجنوب. فكانت تشفي الطبق (أي تصنعه) وهي تغني عن خبر شاب تهجم على بنت في بيتها ولقيّ جزاءه:
كندرو مندرو
خبر الحلة دي صحيح
قالو الزول لقو جريح
قالو الزول لقو نصيح
الباب البجيب الريح
ياخي سدو واستريح
بل قال عبد المعين إن بعض هذه الأنغام التي التقطتها أذنه طفلاً صارت الموسيقي المميزة لسلاح البحرية الأمريكية. فقد سمعه قائد أسطول أمريكي يغني في حفل للكشافة بالقاهرة جلالات جنود “الخدير” (أورطة معسكرها في أم درمان) التي سمعها طفلاً بحلة حمد بحري:
واجعني الزول جرى
الطير بيحوم فوق الرمم
أخوان البنات ربطو كلام
فأستدعاه بالطائرة لطبرق بليبيا خلال الحرب العالمية ليعزفها على بارجة للبحرية بأوركسترا من جنودها. ثم صارت فيهم سلاماً أو لحناً. فأنظر هذه البركة من ما تتحاشاه مدرستنا من ثقافة المحيط.

Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]///////////////

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً