نِـساءُ البَحــرِ أنتـُـنّ .. بقلم: محمد آدم عثمان الإذاعة الكورية – سيول

قرأت باستمتاع شديد الملف الذي نشرته مجلة “كوريانا” في عددها الصيفي الأخير. ومجلة كوريانا هي مجلة ثقافية فصلية مصورة تصدر بخمس لغات عالمية من بينها العربية وقد صدر الملف تحت عنوان ” هينيو : نساء البحر: الإناث الكوريات الغواصات المبدعات من جزيرة جيجو The Jeju island Haenyo Mulgil Women Divers . تناول الملف حكاية نساء البحر الغواصات الكوريات في جزيرة جيجو وهن نوع مختلف ومتميز من النساء ممن عرفن بالجسارة والمثابرة ورباطة الجأش وظللن مع ما لهن من رقة وأنوثة وجمال يحيين حياة تتسم بالصرامة والمغامرة والشجاعة التي لا تعرف الحدود. يبدو أن الملف الغني بالمعلومات قد صدر في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة الكورية من أجل إدراج هؤلاء النسوة ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي التابع لمنظمة اليونسكو وكمورد فطري طبيعي للجزيرة القابعة في أحضان أقصي الطرف الشرقي الجنوبي للمعمورة، والتي تم تصنيفها مؤخرا ضمن عجائب الدنيا العشرة الجديدة ، والتي صارت موطنا ورمزا لثقافة فريدة تم تناقلها جيلا بعد جيل تعرف باسم الهينيو والتي تعني حرفيا نساء البحر، وهن نساء يكتسبن رزقهن من الغوص لالتقاط الأطعمة والكنوز البحرية دون أجهزة تنفس.

ورغم وجود رجال يمارسون أشكالا مختلفة من الغوص في الجزيرة، إلا أن الغوص في الجزيرة كمهنة وتراث هو شأن نسوي في المقام الأول وهناك العديد من التفسيرات المختلفة والمتنوعة لاحتكار النساء الكوريات لهذه المهنة التي ظلت دوما وفي مختلف بقاع العالم مهنة رجالية مقتصرة على الذكور لما فيها من مغامرة ومشقة… .

يتكوّن الملف من عدة ملفات جزئية فرعية و استعرض أول هذه الملفات روعة وعظمة وقوة نساء البحر من جزيرة جيجو من خلال ثلاثة أجيال أمضتها هؤلاء النسوة وهن يغصن بلا انقطاع طيلة حياتهن، وتم التركيز بشكل خاص على أكبرهن عمراً الآن وهي ” كوه إن هو ” البالغة من العمر 91 والتي قضت الجزء الأكبر من عمرها في صيد وجمع الأعشاب البحرية النادرة وخيار البحر والحلزون ذي القرون والتي أطلق عليها الملف العديد من الأسماء منها ” ابنة آلهة البحر ” ، ومنها “قمة هرم نساء البحر الكوريات “، واشتمل على صور لها تغوص وهي قد تجاوزت التسعين مثل حورية رشيقة أو سمكة بلورية شفافة.

قدم هذا الجزء من الملف صورا شاعرية جمالية فريدة لوصف هؤلاء النسوة وأقتبس بعض ما جاء في الملف: ” تظهر الزعانف السوداء والعوامات المستديرة وهي تتراقص فوق سطح ماء المحيط وتلوح من بعيد مثل مسبحة مصلي بوذي في ضوء الشمس الملتهبة ويخرج حشد من نساء البحر من الماء وسلالهن مملوءة بكل ما لذ وطاب من ثمار البحر الشهية ومكنوناته الثمينة”. تقول عميدة الغواصات كوه إن البحر بالنسبة لها هو كل الحياة وكل التاريخ وكل الماضي وكل المستقبل مهما تبقت منه من أيام قليلة. بدأت كوه ممارسة الغوص منذ أن كانت صبية في الخامسة عشر بعد أن تلقت تدريبات شاقة على يد والدتها وتزوجت في سن السابعة عشر وأنجبت عددا من البنات اللائي امتهنّ واحترفنّ الغوص وصرن من أهم نساء البحر الكوريات في الجزيرة منذ سنيّ المراهقة الأولى .وتعزي السيدة كوه سر حياتها الطويلة والمعافاة لممارسة الغوص الذي تصفه بأنه أفضل وسيلة لجمع المال والثروة والصحة والعمر الطويل في ذات الوقت.

الملف طويل ومتنوع ومن الصعب التعرض له في حلقة واحدة وربما هو بحاجة لعدة حلقات مفصلة لشرح واستعراض الأمر من كل نواحيه التاريخية والاجتماعية والوظيفية والجمالية والثقافية وهو موضوع في غاية الأهمية وتراث متفرد يجب المحافظة عليه خوفا من أن يتعرض للاندثار. فطبقا للبيانات الرسمية فإن عدد نساء البحر الغواصات في الجزيرة انخفض من زهاء 24 ألفا عام 1966 إلى أقل من خمسة آلاف حاليا وإن ما لا يقل عن 40% منهن تجاوز سن السبعين وعدد من يغادرن المهنة الآن ، بسبب صعوبتها وقسوتها، أكبر بكثير من عدد الوافدات الجدد إليها وهو ما يهدد بانقراضها يوما ما في وقت قريب.

كل من يعرفون ظاهرة نساء البحر يقرون بأنها ظاهرة ولوحة تتفرد بها كوريا وتم التعبير عنها في الكثير من القصائد والأغاني والأدبيات الكورية وأشهرها قصيدة الشاعر كانغ سو وصفهن فيها قائلا: ” تتجاذبهن التيارات ، ويغصن كالبطات تحت الأمواج، تاركات وراءهن عوامات من القرع تتمايل على الماء. نساء البحر أنتن المتسربلات بزرقة الموج المتمرد واخضرار الأعماق الغامضة. نساء البحر أنتن الحياة وعطائها الذي لا يتوقف. أنتن الجمال الممتزج بالقوة والجسارة، والرقة التي تلفها الخشونة.

وبمجرد فراغي من قراءة الملف تذكرت ديوان شعر شجي  لشـــاعر وأديب ودبلوماسي عربي هو الأستاذ جمال محمد إبراهيم سفير السودان السابق في بيروت، بعنوان ” امرأة البحر أنت” ، وهرعت إلى مكتبتي وانتزعته وفضضته بشـــــكل عشوائي وقرأت منه:

يا امرأة البحر، هذي كنوزك مسجية في المحارْ ،

تعالي إليّ أسامرك،

إني بدون عينيك زوبعة في احتضارْ،

لا خيار لي  إلاك ، لا خيارْ ،

إلا أن ألاقيك عند اصطفاف اللآليء منسية في البحارْ.”.

6/8/2014

حقوق النشر محفوظة للاذاعة الكورية

Copyright © 2009 KBS WORLD. All Rights Reserved.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً