رمضان عام 1975، من بعد أسبوع من القضاء على محاولة انقلاب عسكري قاده المقدم ” حسن حسين عثمان ” ضد سلطة مايو . (1) في يوم من الأيام الرمضانية غريبة التوقيت في الزمان وفي المكان ، قضينا أياماً عبثية ، مُسجلة في ضباب الذاكرة .في الثالثة صباحاً في الغرفة رقم (18) في الطابق الثالث من داخلية ” تهراقا” المخصصة لطلاب السنوات النهائية بكلية الهندسة جامعة الخرطوم ، طرق غرفتنا الصديق ” مبارك ” وهزنا أنا والصديق ” محمد ” من نومٍ عميق إلى الصحو فجأة ، وكنا نسكن الغرفة وحدنا في الغرفة ، وبيننا والغرفة المجاورة دورة مياه مشتركة .قال مبارك على عجل : –قدمت من غرفة ” عبودي ” والجامعة والداخليات مطوّقة ، وبدأ تفتيش الداخليات ووصلوا الطابق الثاني برفقة جنود بأسلحتهم الرشاشة مع ضباط من الأمن ، رجاء تخلصوا من كافة المنشورات والكتب ، حالاً . (2) بدأ ” محمد عثمان ” في إخراج الأوراق والمنشورات من الأرفف وخزانات الملابس ، وهو يسب ويلعن . كانت منشورات طلابية ، وحزبية معارضة لسلطة ” مايو” مُكدسة هناكلدينا ،وأكثرها من ميراث ساكنين سابقين . كنت يوم انقلاب المقدم ” حسن حسين عثمان ” قد قمت بتسجيل خطابالانقلاب صباحاً في جهاز التسجيل الذي احتفظ به ، وكنت قد اشتريت الجهاز من المال الذي احتفظت به من عدم سفري في رحلة صيفية كان من المفترض أن تكون لمصر . وكان ثمنه (60) جنيهاً وفق الموازين النقدية حينذاك. كان في زمانه جهازاً مُترفاً !. استمر الانقلاب منذ الصباح أربع ساعات،حتى الحادية عشر صباحاً وانتهت الزوبعة في الفنجان . من أهم قرارات الانقلاب اليميني ( حلّ جهاز توتو كورة ) لمخالفته الشريعة . وهو يانصيب فرق كرة القدم المتبارية ، والذي انتشر ناراً في هشيم كافة الحارات . لا تسمع إلا : –أنا داير راسين ، ماعندي غير راس ” جزيرة الفيل ” ساعدوني يا جماعة ؟!. أو –عثمان قبل أسبوعين ضربتمعاهو ، عَزَم الجماعة في الريفيرا ! (3) لم نجد مكاناً في غرفة الداخلية أنسب من خزان الماء التابعلدورة المياه الإفرنجية ، وملأناه بالأوراق ، ونسينا أمر التسجيل وخطاب الانقلاب !. في أقل من نصف ساعة حضر عسكري الأمن يحمل رشاشاً ومعه ضابط أمن يرتدي الجاكيت الأفريقية، وكانت موضة حينذاك . جلست على طاولة القراءة في الغرفة ، وتذكرت المصيبة التي نسيناها قربنا والتي تنتظر هفوة . ولو أن أحدهم أدار التسجيل لسمع خطاب المقدم ” حسن حسين عثمان “. ولكان تاريخنا ومصائرنا مختلفة الآن . قلتُ بكل طمأنينة ، بعد أن استرجعت طرائق شغْل أعضاء الجهاز الأمني بالأسئلة : –هل فرّ ” الخونة” إلى مباني الجامعة !؟ فرد الضابط ، وقد منحته الصيغة السابقة طمأنينة أن هؤلاء الطلاب ، أقرب لمايو ومنظماتها : –نعم ، نحن نبحث عن مطلوبين شاركوا في الانقلاب ، وبعضهم اختفى ، والمهم التبليغ عن أية عناصر هاربة من الذين اشتركوا في الانقلاب ، مدنيين وعسكريين وفق المناشير التي أعلنت في الإذاعة . (4) انقضت عشر دقائق ثقيلة من الحوار الغريب ، وغادر الجهاز الأمني غرفتنا يبحث في الغرف المجاورة في الداخلية . تنفسنا الصعداء .انتظرنا قليلاً ، ورجعنا إلى الأسرّة ، نتقلب بلا نوم . في الصباح أصبحت الجامعة بمبانيها وكلياتها وداخلياتها محاصرة . لا توجد محاضرات . تمويل الغذاء من المتعهدين للمطاعم تأخر، ولم يُسمح لهم بالدخول ، وبالتالي تأخر طعام المسيحيين وأصحاب الأعذار من الإفطار أو الغداء . نادى أحد الطلاب باللغة الإنكليزية لأحد الطلاب النيجيريين ، وكان في الطابق الأول ، فأجاب خائفاً : –Do not call names في الصباح تفقدنا الداخليات ، وعلمنا أن كثيراً من الصحاب ، قد اعتقلهم جهاز الأمن ، ومنهم من ظل في الاعتقال ” سنة ” كاملة في سجن كوبر ، لمجرد انزعاجه من أن يصحى بكعب رشاش على رأسه دون سابق إنزار !. (5) في العاشرة صباحاً تجمع بعض الأصدقاء في غرفتنا ، وتم ببطء وخوف حقيقي مسح تسجيل الخطاب التاريخي للانقلاب ، وسجلنا عليه النشيد الذي تغنى به ” ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة ” : إنتَ القائد وإنتَ الرئيس واصل كِفاحَكْ خليك حريص * أهي ثورة عايشة وميثاقها واضح ، وجناحها طار قام ليهو ريش واصل كِفاحَك ..، خليك حريص . * إنتَ الأمل ، نرتاح نعيش ، في خير وفير ، واصل كفاحَكْ ، خليك حريص . كان التسجيل التلفزيوني للنشيد على جانب طريف من الحكاية ، فقد كان مطربا من الثنائي الشعبي يشير بأصبع السبابة إلى المشاهدين ، في كل مرة ينطقان ” خليك حريص ” ، وهي علامة التحذير المعروفة !. وانطلقت العبارة المشهورة التي صارت مثلاً انتُزعت من النشيد”المايوي ” : ( تلقى الغُبش واقفين صفوف .. واصل كفاحَكْ ، خليك حريص ) ! (6) انقضت تلك الأيام بشرورها ، وبعدها بدأت المحاكم العسكرية . صارت الإذاعة تذيع أسرار الانقلاب ، بل وعلاقات أخرى بانقلابات سابقة ، ومنها أسرار مرّ ذكرها على عجل ، متعلقة بمجزرة بيت الضيافة يوم 22 يوليو1971ومن شاركوا فيها . فجأة توقفت الإذاعة عن متابعة نقل وقائع المحاكم العسكرية ، التي انتهت بالإعدامات في ولاية الخرطوم وفي عطبرة ” وادي الحمار” حيث قُبر المشاركون في الانقلاب ، مدنيين وعسكريين ، ولا أحد يعرفلقبورهم مكاناً. عبد الله الشقليني 28أكتوبر 2014 abdallashiglini@hotmail.com ////////