من الأرشيف: تقرير عودة
د. صديق امبده
-1-
انتهي البرنامج امس الاول . ليس هذا تقرير عودة الى المكتب بالشكل الذى تقًره اللوائح , لكننى على يقين بان مخالفة اللوائح فى هذه الحالة اجدى . ينقسم التقرير الى جزءين متداخلين الجزء الذى يهمنى والجزء الذى يهم الحكومة . او اقل الذى يهم عبد العاطى البيروقراطى ، والذى ينعت –فى غيابه –بانه عديم الموهبة والذكاء . هذا ليس مهما ، انما المهم كيف أوفق بين ما اراه جزءاً من كل (الانطباعات ) وما قد تراه انت ترهات لا يجوز ايرادها في تقرير رسمي. الجزء الاول يتعلق بتجربتى فى هذا البرنامج (برنامج دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة في كوريا) ، المعاناة والطرائف والكوريون عموما . والجزء الثانى عن محتوى البرنامج وسبل الدعم المختلفة للصناعات الصغيرة والمتوسطة ، والذي قد لا اكتبه اصلا . بالطبع سأبدأ بالجزء الذى اراه اهم و احق بالبداية وهو انطباعاتي الشخصية و ذكرياتي التي تبقت من الزيارة ، وقد انتهى به ايضا .
المجموعة التى تشارك فى البرنامج مجموعة غير متجانسة تماما . اقصد باكثر من المعنى الحرفى للكلمة .اتوا من اركان الدنيا الاربعة . من افريقيا , امريكا اللاتينية , الشرق الاوسط , شرق اسيا والاتحاد السوفيتى سابقا . بعض هذه البلاد هى والتخلف حليفى حظ . هل سمعت ياسيدى بمنقوليا وبهوتان (يعنى مش بهتان واحد , لكن قل لى كيف تجمع بهتان ؟ ) الاخوة البتان كما يقال لهم فى بلاد النفط اتو للبرنامج بعد نهاية الاسبوع الاول (اى بعد نصف زمن البرنامج ). ظهروا فجاة عندما كنا فى زيارة للحديقة السرية لملوك كوريا القدماء . بدوا من الدهشة فى شىء عظيم ولم يزالوا كذلك حتي غادروا ، فقد كانوا لا يفقهون حديثا . لكنهم ليسوا وحدهم . لغة البرنامج هى اللغة الانجلزية وعدد المشاركين حوالى الثلاثين يمثلون 18 دولة ، جُّلهم حاجته الى اكتناه اللغة الانجليزية اكثر من حاجته الى معرفة كيف دعمت كوريا صناعاتها الصغيرة والمتوسطة .
المشارِكة عن ساحل العاج يفتر ثغرها العبوس عن ابتسامة عريضة اذا تمكنت من قول صباح الخير بالانجليزية . والمنقولية اعدت عدتها من “الونّات” الكورية واستعدت للشراء وهي تسأل صديقى الاردنى عن المكان الذى نزوره . سألت بكلمة واحدة ، فاكتورى – اي مصنع ؟ ، فاجابها باننا نزور معهدا للبحوث . تشابه عليها البقر فاستعدت للشراء فى كل الاحوال . اما الاستونى فيتدثر بالصمت الا عندما ينطق بالروسية مع الجورجيات او المنقولية . لكنه والحق يقال نطق مره عندما انتابته نوبة طرب فغنى بصوت جهور احدى اغانى الحنين الى الفودكا .
مجموعة امريكا اللاتينية بدوا كسّياح فى بلاد الشرق هذه .غطوا على فقرهم فى اللغة الانجليزية باستمتاعهم بالبرنامج على طريقتهم . فهم فى حالة تصوير مستمر بالكمرات العادية والفيديو . مترجمتهم حسناء وتلبس مايروق لها . قال لى المشارك من ساحل العاج ، هذه المرأة ، الا تحترم نفسها ؟ قلت فى نفسى ربما المينى موضه فى امريكا اللاتينية . لكن الطريف في الامر ان الجو فى كوريا هذه الايام ، لايخلو من برودة وممطر احيانا . ماذا لو كان الجو شبه صحراوى ؟ ربما ارتدت هذه الحسناء حينها مايروق لها خالص ، وعندها سيكون صديقنا العاجى قد ابلغ شكواه ليس الى مدير البرنامج وانما الي رئيس كوريا نفسها ( حقيقة هي الفتنة ذاتها لولا اننا في كوريا) . وهو عكس ماقالته بت الناظرللتلميذ موسى الهويرة في مدرسة برام الاولية ، لكن تلك قصة اخرى . احد ممثلى الشقيقة مصر قدم تقريرا عن الصناعات الصغيرة في مصر، وقد لاحظ الحضور انه ينون اللغة الانجليزية بالضم والكسر وغيره مما يجعل العلاقة بين ما يقول واللغة الانجليزية – كما يريد لها اهلها – كالعلاقة بين الشمبانزي والانسان.
الكوريون متعبون ، فرغم كل ما احرزوه من تقدم خلال السنوات الاخيرة مازالوا كوريين حتى النخاع .اذ ان عدد المطاعم الاجنبية بما فى ذلك تلك التى تقدم الوجبات السريعة قليل نسبيا . فاذا لم تهىء نفسك للطعام الكورى فقد تجد نفسك فى توتر مصرانى مستمر . ليس لان القوم ياكلون لحوم الكلاب والضفادع وبعض الحشرات ، فهذه ياكلها الغربيون ايضا او بعضهم على الاقل ، ولكن قد لاترى خبزا فى المائدة لمدة اسبوع (يسبتدل بالارز) وتطلب الماء –اذا اردت –اذا لا يقدم اثناء الاكل ، ويقدم الماء ساخنا فى احايين كثيرة . اما الشاى فكانما هنالك مرسوم رئاسي بعدم شربه .
-2-
أمس اقيم الحفل الختامي للبرنامج واكتشفنا فى نهاية الحفل ان كل الشعب الكورى مغنّيين –قياسا بالعينة – (اى ان المفروض ان يكون شعب لاعب ، او قول لعبنجي) ، فقد غنى مدير معهد التدريب ومدير برنامج التدريب الدولى ومساعده واصواتهم لا بأس بها . وقد قيل أن اكل لحوم الكلاب يضّمر البطن ويثير فى الحنجرة رغبة فى الغناء . وعلى ذكر الضُمره ، فنساء هؤلاء القوم لا ابزاز لهن – كما يقول صديقي الاردني – ولا عجائز (ج عجيزة مش ج عجوز) . يعنى أن ما عند الكينية التى كانت فى جامعة الخرطوم ايامها والتى كانت تعرف عند “البراكسة” بالخلفية التاريخية او (الهستوركال باكقراوند) يكفى كل مضيفات الطائرة الكورية هذه . اى ان النساء (جُرط) كما نقول . ورغم ان الرجال هم كذلك فذلك لا يعيبهم بالطبع بل هو مجلبة للمدح قياسا بالقول “اولاد جون الحدب القرقرو الابرة” . واذا عدنا الى النساء فان استحسان الخلفية التاريخية ، كما عند العرب قديما- يخل بالقيم الجمالية العصرية – باعتبار ان العصر هو عصر الخواجات . ويعنى ذلك بالطبع ان وصفا مثل هركولة ……الخ كأن أخمصها بالشوك منتعل ، ليس له مرادف فى اللغة الكورية، وأن شاعرا مثل شاعرها فد لا يتكسب من القصيد ما يكفيه وجبه ، ناهيك عن القائل فى مدح أحداهن ( تدخل اليوم وتدخل أردافها غدا ) ، رغم سماجة ذلك من يومه .
الكوريون اقتصادهم عال العال. و هم مقتصدون ليس فى اجسامهم فقط (قله الزوائد – حتى الضرورى منها كما سبق القول عن النساء) وانما حتى فى اكلهم وشربهم ، او قل هم منضبطون . الكل يمشي مشية عسكرية (فهم لا يحتاجون الى الجري Jogging لتخيفيف الوزن) واذا افترضنا ان الـ Jogging يعنى من ضمن ما يعنيه to jog away – اذا كانت هنالك كلمة مثل هذه في اللغة الانجليزية – السمنة الزائدة وطبقات الكرش الاضافية وغيرها – فهم ما عندهم حاجة (يجقّوها) اصلا . فقد استعانوا على ضمور البطن بأكل القليل من لحوم الكلاب (كما يقال) وعلى الحفاظ على الصحة بالاكل الخفيف الصحي والضروري وشرب الماء الحار. وقد قيل عن الرئيس بارك (Park) مؤسس كوريا الحديثة انه كان يخلط الارز (الوجبة الرئيسية) بالشعير حتى يوفر الارز . أنظر الى هذه القدوة . وقتهم كله للعمل . و اذا افترضنا ان اجسامهم قد “حست” تاريخيا من لحم الدنيا من كثرة العمل ، فهل ياتي يوم يصير فيه الكوريون اقزاما ، او يختفون فيه من علي وجه البسيطة ؟ انهم اقتصاديون حتى فى اسمائهم . اغلبهم كيم (Kim ) او لى (Lee) او هو Ho او ها Ha )وقل ان تجد هاها !!(. قارن بين اسمائهم واسماء سكان مدغشقر مثلا حيث يبلغ متوسط عدد احرف الاسم ثلاثة عشر حرفا دون فاصل . مثلا راكوتوماناريكا Rakotomonarika او راظافندرامانا Razafindramana . انك لاتملك الا ان تعجب بهم .
يبدأ الكوريون صباحهم بوجبة شبه كاملة ( الساعة السادسة او السابعة صباحا) وكأنهم على موعد مع الحصاد او بانتظارهم “جبراكة” تنتظر “الجرّاية” و”الجلموية” . شوربة سخنة وأرز وخضروات مشكلة وبعض اللحوم البحرية (هل يقال لهذا لحم ابيض ؟!). لا شك انهم قد استوعبوا نصيحة الصينين القائلة : أفطر لوحدك ، والغداء اعزم عليه صديق, اما العشاء فادخره لعدوك .على كل مثلما “اتقريفت” انا للشاى , “شقّم” صديقي الاردنى للخبز ، اذ فى الغالب لا اثر لكليهما على المائدة . وفي حالة الشاى ، لا اثر له على حتى على ماكينة المشروبات Vending Machine . صديقى الاردنى ، الذى استعار شنب دريد لحام لياتى به الى الكورس ، ضمرت بطنه حتي دون ان يقرب اللحوم اياها .
لا اثر للشاى الا نادرا كأنما المسافة بين سيول ( “سول” في نطقهم ) واقرب دكان لبيع الشاى ( فلت او لبتون ) ابعد من نقعة “عفو” الى مليط . ” ونقعة عفو ” هذه مثل الاسمنت . سميت بهذا الاسم لان الحرامية كانوا عندما يسرقون الجمال يتوجهون اليها لاخفاء الاثر . واذا نجح الحرامية فى الوصول اليها قبل ان يدركهم “الفزع” فما على صاحب الابل المسروقة الا ان يصفق يديه ويقول ( عفو ) . واعتقد انها ليس لها مقابل فى اللغة الكورية , على الاقل لانه ليس لهم ارض جرداء مثلها ، كالتى قال عنها الطيب صالح ” هذه الارض لاتنبت الا الانبياء , هذا القحط لا تداويه الا السماء” .
-3-
كوَّن المشاركون فى البرنامج مجموعات مختلفة أساسها فى الغالب اللغة او الدولة التى يمثلونها – اذا كانوا اكثر من واحد . المشاركون من بوليفيا وباراغاوى وهوندوراس وحدت بينهم اللغة الاسبانية (او البرتغالية لا ادري) ، وزاد الوحدة متانة معرفتهم المتواضعة باللغة الانجليزية . ينوب عنهم اثنان فى الاسئلة التى يرغبون فى طرحها ، او فى الاجابة عليها . احدهما الهوندوراسية الحسناء التى تشبه “فيسيلا” البلغارية الطالبة في جامعة الخرطوم ، عندما كانت الدنيا “غير”، والتي تلبس “المينى” كما سلف . كانت فيسيلا ذات جمال اخاذ ، او قل مدهش ، و كانما جاءت لتوها من جنان رضوان –كما قال الشاعر ود جماع . كان الميني حينها موضة وعندما تخلف رجل علي رجل في “قهوة النشاط” يبان لها “خال” في فخدها الايسر. خال ذو مكانة سامية عند “البراكسة” ، يحلفون به اذا حزب الامر، اذ عندما يقول احدهم “وحياة خال فيسيلا” ، يعلمون انها ليست حليفة سوق.
المناوب الآخر في طرح الاسئلة كان البوليفى ذو الوجه الذي يزيد عن الشبر قليلا. سألنى هذا الاخير ذات مرة عما اذا كان يمكنه العثور على حذاء 12-11 size فأخبرته بان الكوريين – هذه الايام- يصنعون كل شي ، واذا ما علموا ان هنالك فرصة لتصدير احذية من الحجم الثقيل الى امريكا الجنوبية فلابد انهم فاعلون . أما هنا فى “سيول” اذا وجد شخص من اصل كورى يلبس هذا الحجم فربما دخل كتاب غينيس للارقام القياسية كحامل للرقم القياسي لأكبر خف فى كوريا (بالإضافة الى انه قد يكون “ود حرام”) .
يمثل باراغواى اثنان ، سيدة حامل فى شهورها الاولى والثاني مساعد الوزير ، وقد كان فى كورس شبيه فى تايوان العام الماضي . البوليفيان الآخران أحدهما يتبادل التصوير بكاميرة الفيديو مع الباراغوية الشقراء والثاني لم يترك ل “دانيال اورتيقا” شيئا ، الخالق الناطق . الشارب الكث والحجم المربوع ، والمشية ، والثقة بالنفس- فى صمت – فهو لم ينطق قط . بحكم انه بوليفى كان الأحرى به ان يشبه “جيفارا” لا زعيم الساندنيستا . المجموعة لا تخلو من ظُرف وقد استعانت على عدم فهم ما يقال فى الكورس بالونسة اثناء المحاضرات والتصوير أثناء الزيارات ، والخروج فى الاماسي . صديقي البحرينى يري انهم شعوب لاهية ، وهو راى فاسد كما تري اذ لا يصح نعت الشعوب ودمغها هكذا . انفجر الشيخ عيسى هذا ذات مره – ونحن في الـبص/ ال Coach- في البوليفي ذو القدم العالمية والذي اختير لتمثيل المشاركين لدى ادارة البرنامج ، انفجر فيه قائلا بان الاخير ليس له مؤهلات قيادة ولا يقدم اراء المشاركين لادارة البرنامج وانه وانه …… الخ ونصحه ان يفكر فى امر تمثيله للمجموعة – اى يستقيل . الا ان البوليفى بتماسك لاتينى صميم لم يرد عليه بشىء ذى قيمة ولم يتنح عن موقعه . اخذ التقريع بروح رياضية إما لانه لم يفهم المقصود او أنه استمرأ القيادة .
المجموعة العربية حوالى ربع المشاركين . اثنان يمثلان الشقيقة مصر أتيت على ذكر احدهما آنفا . بعد أن يؤديا شعائر الصلاة ينزلان الى الافطار مبكرا ، وتسبقهما اليه احيانا احدى الفليبينيتين (ياءات كثيرة مش كده) . فى البص يجلسان على نفس المكان ، يفصلهما عن السائق صف واحد ويُسمع نقاشهما لعدة مقاعد الى الخلف – يتلازمان باستمرار . فى المرات القليلة التى جمعتنا معا اكتشفت ان احدهما يقول مُلحة خالية من المرح وينفجر بقهقهة لا تتناسب والمحتوى الفكاهي لما قال ، آملا في ان تسرى فيك العدوى فتضحك . تنكيت بالفهلوة يعنى .
التونسيان، شاب وفتاة، أيضا متلازمان . لكنه تلازم من جانب واحد فيما يبدو . الشاب التونسي هاديء له من العمر 24 عاما . الفتاة التى ولدت عام 1967 ايام الحرب مقلٍقة (بالدراجة السودانية وتشديد اللام وكسرها ) . هل لهذه الكلمة مقابل فى الفصحي ؟ قلقه مثلا لا تعطي نفس المعنى . لماذا تذكرت الان “سداسية الايام الستة” لأميل حبيبي الذي توفى العام الماضي و روايته الاخرى الجميلة ” الحوادث الغريبة فى حياة سعيد ابي النحس المتشائل”. ربما ذكر العام 67.
التونسية تدخن بشراهة وتفرض على زميلها – كما يبدو – ان يكون بقربها باستمرار . أثناء الرحلة تعرف عليهما المستر لي Lee الكوري مساعد مدير البرنامج فمدت له الاخيرة حبل الود حتى تغيرت سحنة التونسي واصيب باكتئاب واضح لاحظه ايضا الاردني الذي كان لصيقا بهما فى الايام الاولى . نوع من النساء يصعب التعامل معه فيما يبدو . لم تكن تعرف زميلها من قبل كما قال لى الاردني . تقابلا فى المطار فى طريقهما الى سول . من شدة تلازمهما يخيل اليك انهما اكثر من معارف . ذات مرة انتبهت هي فجاءة الي أن التونسي ليس فى المجموعة فاستفسرت عنه بشفقة جعلت المستر لي – قبل ان تتوطد علاقته بها – يقول لها ” زوجك فى المجموعة الاخرى” فصححت معلومته بانه ليس زوجها ، لكن دون استنكار . فيما بعد واثناء الرحلة كانت احيانا تترك مقعدها المعتاد بالقرب من صديقها /زميلها التونسي وتذهب لتجلس مع المستر لي .
هي ليست جميلة . متوسطة القسمات ، قوامها اقرب الى الاولاد Boyish منه الى البنات ، وجهها ناشف اقرب الى الجزائر منه الى تونس وطولها فوق المتوسط بالنسبة للنساء . ترتدي نظارة طبية على وجه شبه مستطيل وضحّاكتاها مفروقتان أفسدت احداهما (السن اليمني) الفلجة بسواد خفيف فى ركنها الايسر. أما جسمها فليس فيه ما يثير ، اذا بالاضافة الى مشيتها الرجالية اخذت من الكوريين اختفاء الزوائد الجسمانية ، مما يميز المرأة من الرجل . لكنها رغم ذلك استحوذت على اعجاب المستر لي والجورجيه التى تشبه لايزا منيللي (فلم كاباريه) . الجورجية الاخرى تبدو اقرب الى الجمال من على البعد . اما عن قرب (رغم الحُمرة الاباها المهدي) تبدو مفتقرة الى ما يثير انتباه الرجل – وذلك بكثير من المجاملة . اذ رغم كثافة المساحيق التى تستعين بها ، تكسو اجزاء كثيرة من وجهها شعيرات متفرقة خاصة عند الذقن والفكين بالاضافة الى بعض الندوب . أما اذا ابتسمت ابتسامة عريضة او ضحكت يظهر تآكل اسنانها الامامية فتبدو على شكل 7 او U على احسن الفروض ويظهر كذلك ان الفك الادني اقصر من الاعلى وتكاد الاسنان العليا ان تغطي الاسنان الدنيا تماما .
افريقيا جنوب الصحراء يمثلها اثنان من ساحل العاج واثنان من الكمرون . احد الكمرونيين مدير مبيعات لوكيل شركات السيارات الكورية بمدينة دوالا بالكمرون (وليس لذلك اى علاقة بالبرنامج) . لا ادري كيف تم ترشيحه لكنه اتى للبرنامج بعد يومين من البداية واجتهد فى التقرب الى العاجية (عايشة) التى توزن عدة كوريات ، فلازمها حتى لقّبه زميلها العاجي بفكي ( Faki) عائشة الكبير Le Grand Marabou de Aicha . يجلسان فى البص سويا وهو فى غاية السرور بهذا التلازم. يمشي مشية طاؤوسية باللبسات الافريقية التى اعتقد انها تضفى عليه تفردا لدى الكوريين . أتى بشماعة كاملة من الملابس الافريقية رغم ان التفكير العقلانى يحبّذ خفة الوزن عند القدوم الى كوريا أملا فى ثقله عند العودة . لكن يبدو ان الأنا المتضخمة عند الكمروني ابعدته عن عقلانية السفر الى الاماكن البعيدة . العاجية فى حاجة الى مترجم وهو فى حاجة الى الشعور بالدفء فتلازما ، “الطير بطير رفايق”. الكمرونى الاخر هاديء وكوّن مع العاجي (والذي ظرفه فوق المتوسط بالنسبة للعاجيين) تيما واحدا ربما اساسه جزئيا اللغة الفرنسية لكنه فريق يبدو متجانسا على كل حال .
-4-
انتهت الدورة التدريبية وكل عاد بذكريات يحتقبها الى حين. هل تجمع بين بعضنا صدفة مثل هذه مرة اخرى ؟ قبل عصر الخواجات هذا هل كان يمكن عقد مثل هذه الدورات ؟ هذه بقعة على جدار الذاكرة، فالى متى ستظل ؟ على الارجح سيكون حالها حال المحاضر فى جامعة الخرطوم فى محاضرة العاشرة صباحا (اى بعد فطور الفول والنعاس الذي يعقبه) الذي قال عنه الطالب حينها -أبو ديك- (أنت فى الـ MLT – قاعة محاضرات السنة الاولى كلية العلوم – ” عينك فى الاستاذ ، عينك فى الاستاذ لامن يندرق منّك). ستغيب هذه التجربة او “تندرق” فى تلافيف الذاكرة ببتًانها وتونسييها والهندرواسية الحسناء ، لكنها ستبقى لتطفو على السطح كلما هبت الرياح الكورية الجنوبية.
صديق امبده- يونيو1997
sumbadda@gmail.com
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم