في ذكرى معاوية الفاتح النور .. بقلم: عوض الحسن

لم أجد ما أقوله في ذكرى رحيل أخي معاوية، رحمه الله، خيرا من مُقدمة عمودي الأسبوعي في صحيفة “إيلاف” التي نُشرت قبل سنوات، والتي كانت إعترافا مني بفضل والده، وأعمامه محمد والتجاني، وبفضل جريدة ومكتبة كردفان.
تبع معاوية خطى والده وأعمامه في الإشتغال بصناعة الطباعة والنشر، وتبعهم في الهم العام وعمل الخير، والإنشغال بقضايا مجتمعه الصغير في الأبيض وكردفان، وبزّهم – في رأيي – في لين المعشر وحُسن الصُحبة.
إبَرْ النَحًل

(هذا عمود جديد أسميناه “إبر النحل” تخليداً لذكرى الأستاذ الفاتح النور، رحمه الله، صاحب مكتبة وجريدة كردفان بالأبيض، العصامي الكردفاني ورائد الصحافة الإقليمية في السودان. كان “إبر النحل” أحد الأبواب الثابتة في جريدة كردفان والتي تواصَل صدورُها لربع قرن من الزمان (1945 – 1970)، كان الأستاذ الفاتح النور فيها رئيساً للتحرير، وأدارها معه أخواه محمد والتجاني. 
وكنت قد نويتُ أن أسمي هذا العمود “عذاب قبوره “، وعلى الرغم من أن هذا العنوان يُعبّر تعبيراً صادقاً عن واقع الحال، آثرت عليه “إبر النحل” تعبيرا عن عرفاني وتقديري للمرحوم الفاتح النور لما له من أيادٍ عليّ أنا شخصيا، وعلى الأجيال المتعاقبة من شباب مدينة الأبيض ، وفَضْلٌ لا يُنسى أبد الدهر. تعلمتُ، وادمنتُ، بفضله، وبفضل مكتبة كردفان، القراءة والإطلاع ، بدايةً بمجلات الأطفال “سمير” و “ميكي ” و “الصبيان “، ثم المجلات المصرية مثل “الكواكب” و”الإثنين” و”آخر ساعة” و”المصور” و”صباح الخير” و”روز اليوسف”. ثمّ كتب أرسين لوبين، وطرزان، وشرلوك هولمز ، ثم كتب الجيب، تلتها كتب التراجم ” لشوامخ الأدب العالمي ” كما تُسمى السلسلة، واصدارات دار الهلال، ودار المعارف فى مصر عبد الناصر؛ تراجم رصينة لعيون ألأدب الفرنسي (فولتير، وبلزاك، وفيكتور هوجو، وموباسان، وكامو، وسارتر)؛  والروسي (تولستوى، ودويستفسكى, وجوجول، وتورجنيف، وتشيخوف، وباسترناك )؛ والإنجليزي (ديكنز، وشوسر، واﻷخوات برونتى، وآل هكسلى، وبرنارد شو، وأورويل صاحب “مزرعة الحيوان” و “1984”)؛  ثم كل الكتب المصرية للكتّاب المُحدثين والقدامى (المنفلوطى، والطهطاوى، وهيكل الكبير، ونجيب محفوظ، والسباعى، واحسان، ويوسف ادريس وغيرهم). باختصار ، فتحت مكتبة كردفان لنا الدنيا ونقلتنا من فيافي كردفان الى عواصم الدنيا، نعرف ساحاتها، وميادينها، وشوارعها، وحاراتها، وأزقّتها، ونعرف تاريخها، وحضاراتها، وملوكها،  ومشاهيرها، ونعرف الكثير عن أدبها وشعرها وفنّها. الا يستحق هذا الصنيع العرفان للفاتح النور وإخوته محمد والتجاني، رحمهم الله جميعا،  تسمية هذا العمود باسم عمود في جريدة كردفان؟ هو، إذن، ‎”أضعف الايمان” في التعبير عن العرفان وسداد دين طوّقوا به عنقي واعناق الكثيرين . كذلك كانت جريدة كردفان أول صحيفة تنشر لى مقالاً حاولت فيه أن أبدأ مستقبلاً فى الكتابة الساخرة، ولكن المقال الذى سَخِر من بصّات فريق الميرم باﻷبيض كان “بيضة ديك” لم أكتب بعده قط الّا بعد مرور أربعة عقود ” أضعتها” فى طلب العلم وطلب الرزق.
كانت مكتبة وجريدة كردفان تقع في قلب مدينة الأبيض في مبنى عتيق يشبه الكنيسة، كما قال شاعر  الحقيبة الكبيرمحمد علي الأمّي ،رحمه الله، والذي كان بينه وبين الفاتح وإخوته اِحَنٌ وسجالات سارت بذكرها الركبان. كان أﻷمّى “ترزياً افرنجياً” تقع دكانته فى مقابل مبنى دار كردفان، وكان رحمه الله يجلس امام محلِّه ينظر شذراً الى المبنى الذى شبّهَه بالكنيسة، ويثور ان سأله سائل عن مكان دار كردفان ، فينعت المبنى وأصحابه بأقسى النعوت. وكانت الكتب والمجلات تصل عند منتصف نهار الخميس من كل أسبوع دون تأخير، نهرع لها متشوّقين تشوّق الظمآن للماء (أو فى اﻹطار الكردفانى، تشوّق الظمآن للبطيخ اﻷبْيَض). نترك عند محمد النور القريشات القليلة التى نملك ونذهب متأبطين كنوز الدنيا التى لا تفنى. نسأل الله أن يجزي خيراً الفاتح النور واخوته و”تَرَبَهِم” (وخاصة معاوية الفاتح وخالد التجانى) الذى واصل “كار” الطباعة والنشر،  وأن يرحمهم ويرحمنا جميعاً.
هذا عمود سأحاول عَبْرَهُ مّشاركة القُرّاء خواطرى وملاحاظتى فى الدنيا والحياة والسياسة، داخلية كانت أم خارجية، واﻹقتصاد حُراً ومقيّداً، والرياضة ، جماهيرية كانت أم صفوية، وأحوال البلاد والعباد، و”الشئ السودانى” الّذى به وحده نُفسِّر ما يلتبس عليك وعلينا من تصرُّفات اﻷفراد والجماعات واﻷحزاب والحكومات فى السودان, “البلد الواحد” الفريد، الحار معظم شهور العام، والجاف الّا أشهر معدودات، والعجيب دائماً، “الحلو مُر” والمزروع  فى نخاعنا!
لسعةً أو لسعتين من نحلةٍ أو نحلتين لا تقتُل ولكنها قد تُوجع، وربما “تَدْوِشْ”؛ وقد تُسرّى عن البعض، و”تجيب راس” البعض اﻵخر. ولسعات من خليّة بأكملها قد تقتل. نسأل الله أن يكون فى هذا العمود ما يُوجع البعض، و”يَدْوِش” البعض اﻵخر، أما الموت فهو عند العزيز القهّار الذى يُمهل ولا يُهمل.(

رحم الله أخي معاوية الفاتح النور، وألهم أسرته الصغيرة، واسرته الممتدة، واصدقاءه وأحبابه صبرا جميلا، وأبقى ذكراه العطرة حيّة في قلوبنا. ويتم إحياء ذكرى معاوية يوم غد الخميس بمدينة الأبيض. 
aelhassan@gmail.com
//////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً