الصحافة والعصف الذهني في ضيافة منتدى صافي النور .. بقلم: إمام محمد إمام

كانت الصحافة عزيزةً مكرمةً وسط رهطٍ من أعضاء منتدى الفريق طيار عبد الله علي صافي النور الأُسبوعي، الوالي الأسبق وأحد القيادات الفاعلة في دارفور، بمزرعة الفريق أول عمر الحضيري مدير عام الشرطة الأسبق. ويجيء تكريم المنتدى للصحافة، ممثلاً في الأخ الصادق إبرهيم الرزيقي، وذلك بمناسبة انتخابه رئيساً للاتحاد العام للصحافيين السودانيين، وتقديراً لجهوده المتصلة منذ إنشاء هذا المنتدى الذي يُمثل مدخلاً مهماً من مداخل العصف الذهني، دون مضاغطةٍ سياسيةٍ على المشاركين، لتنداح أفكارهم ورؤاهم المتعلقة بمعالجاتٍ جادةٍ من منظورٍ فيه قدرٌ من الحرية، وجرأة الطرح، وصراحة التناول، لكثيرٍ من قضايا الوطن، من خلال أُطروحات تقف قليلاً على تشخيص الأدواء، مع ضرورة التركيز كثيراً على وصفات الدواء، بحُجية أن ذلك أنجع لمعالجة قضايا الوطن والمواطن.
وحرص الرسيل الصادق إبراهيم الرزيقي على أن يكون عددٌ من رسلائه – وكنتُ من بينهم – شُهوداً على تكريم منتدى الفريق صافي النور له بوم السبت الماضي، تصديقاً لقول الله تعالى: “.. وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”، لعلمه أن شهادتهم، تُوثق للحدث، وتُضفي بُعداً جديداً على المنتدى بأنه ملتقى الوفاء، ومجمع الأوفياء، وهذه قيمٌ كادت أن تندثر من على خارطة الثقافة المجتمعية السودانية في وقتنا الحاضر.
وأحسبُ أن الملحظ المهم في هذا المنتدى، أنه يُزاوج في عضويته بين الخبرة المتراكمة والأُطروحات المتعمقة للموضوعات والقضايا الراهنة، مع الأخذ في الاعتبار أن جدية الموضوعات والقضايا المطروحة للنقاش، لا تُنسي الحاضرين فقه ضرورة القول اللين في طرح الرأي، ومحاولة إقناع الآخرين به، بعيداً عن الاعتساف في الرأي، والفظاظة في القول، حتى إن رئاسة الجلسة فيها قدرٌ من الظُرف والتفكُّه، وحضور البداهة، وجميل العبارة، وفيها شيءٌ غير منكورٍ، وهو المزاوجة بلطفٍ ولينٍ بين صرامة الجيش، وممازحة أهل حلفا التي يمثلها الأخ الفريق أول فاروق علي محمد نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق، الذي كان متجلياً في رئاسة جلسة المنتدى يوم السبت الماضي. وينبغي أن أُقرَّ بقدرٍ من الصدق، أن حكمي هذا انطباعي، والنقد الانطباعي – كما يقول النُّقاد -لا يكفي لسبر غور النصوص على الرغم من أهميته، لأنه اللبنة الأولى للنقد. ولكن حكمي الانطباعي يجيء، باعتبار أمرين مهمين، الأول: حداثة عهدي بحضور هذا المنتدى، فأنا أحضره لأول مرةٍ بدعوةٍ كريمةٍ من المُحتفى به، الرسيل الصادق إبراهيم الرزيقي، والمستجد قد يكون مبهوراً بظاهر الأمر دون سبر أغواره، ومعرفة حقيقته. والثاني: أن الأخ الفريق أول فاروق علي محمد رئيس الجلسة، كان حليماً معي، أفسح لي سانحةً طيبةً، رغم مزاحمة نداء الإفطار، فأكملتُ مداخلتي التي كانت عبارة عن مزاوجةٍ بين ضرورات الفقه، واشتراطات التفسير، وشرائط حفاظ المنتدى على “شتامهاوس رول”، الذي يمنع التسجيل والنشر دون سابق إذن، لأن معظم المداولات في (Off Record) شتامهاوس تدخل في إطار “أوف ريكورد”، وهذه العبارة الجامعة من القواعد الأُصولية غير المكتوبة في القوانين البريطانية المتعلقة بقضايا التشهير والقذف. كما أنها تتيح للمتحدث أن يقول رأيه بحريةٍ وشفافيةٍ، وقليل مراعاة للمحاذير. وإن كان يمكن نشر تلخيص وافٍ للمداولات مع مراعاة الالتزام بقاعدة “شتامهاوس رول” “أوف ريكورد”.
أخلصُ إلى أن تلكم الجلسة التي شهدها أقوام طيبون، يمثلون ألوان الطيف السياسي السوداني في ممارسةٍ جادةٍ في قبول الرأي الآخر. وأحسبُ أنهم يجمعهم التفكير العميق في الحاجة إلى لقاء عصف ذهني للبحث عبر أُطروحاتٍ وأفكارٍ ورؤى عن مُعالجات الوضع السياسي والاقتصادي الراهن المأزوم. ولا يُنكر عليهم أحدٌ محاولاتهم هذه التي تجيء ضمن محاولات أُخرى للبحث عن مُخرجات حقيقية تُحافظ على كينونة الوطن، وهوية المواطن.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ”.
وقول الشاعر العربي، جَرْوَل بن أَوْس بن مالك المعروف بالحُطيئة: 
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ     لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
ما كانَ  ذَنبِيَ أَن  فَلَّت مَعاوِلَكُم      مِن آلِ لأيٍ صَفاةٌ  أَصلُها راسِ
قَد ناضَلوكَ فَسَلّوا  مِن  كِنانَتِهِم      مَجداً  تَليداً  وَنَبلاً  غَيرَ  أَنكاس

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً