عندما جاء الشاب البريطاني الدكتور هاري فيرهوفن استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد الي الخرطوم في مطلع عام 2009 لاستجلاء العقل السياسي الحاكم واختبار حقل ابحاثه السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان،كان ذلك ايذانا بانهاء جزءا من القطيعة الأكاديمية التي فرضتها الجامعات والمؤسسات التعليمية في أوروبا وأمريكا علي السودان. خرج الأسبوع الماضي من مطابع جامعة كيمبردج ببريطانيا بعد رحلة عمل شاقة ومضنية امتدت لسنوات كتاب الدكتور هاري فيرهوفن تحت عنوان (المياه، المشروع الحضاري والسلطة في السودان: الإقتصاد السياسي لبناء دولة الإسلاميين العسكرية)، وهو كتاب يناقش كما افاض في المقدمة اسس الثورة في السودان، والإقتصاد السياسي لدولة المشروع الحضاري خاصة الاستثمار في موارد القوة مثل المياه والزراعة وتوليد الطاقة.وقال إن النظام الثوري في السودان بني علي أربعة قواعد هي.اعتماد سياسات جديدة،والتحرير الإقتصادي، النهضة الإسلامية وتغيير توجهات السياسة الخارجية، وكذلك اجازة سياسات هي مزيج من المحافظة المتشددة،والهندسة الإجتماعية. وهي حسب وصفه رؤية اتوقراطية تحديثية. وقال إن بناء مشروع دولة الإسلاميين في السودان ارتكز علي التوسع في مشروعات المياه والزراعة لتحقيق رؤية شاملة ترتبط بالجغرافيا السياسية للنيل وتعميق سيطرتهم علي السلطة السياسية.مما جعل السودان أبرز نموذج تحديثي طموح في القارة الأفريقية يمازج بين الأيدلوجيا والتنمية.وهو بذلك أيضا يتماهي مع التوجهات العولمية في القرن الحادي والعشرين. وربط الباحث بين خطاب الرئيس البشير في افتتاح سد مروي الذي اعتبره مشروع القرن ونهاية الفقر في السودان واعلان المحكمة الدولية. قال فيرهوفن إن مظاهر الإحتفاء لم تشمل اركان الحكم الآخرين مثل النائب الأول حينها علي عثمان وغيره بل شهدت تكريما من الرئيس لأسامة عبدالله رئيس وحدة تنفيذ السدود حيث اعتبر البعض ان ذلك يعد انتصارا لمشروعه الشخصي. لذا قال عبدالرحيم حمدي في المقابلة التي وثقها الكتاب انه لا أحد غير اسامة عبد الله يستطيع أن ينجز المهمة لأنه كان دائم الحديث مع الرئيس وكان يمارس ضغطا علي الدوائر الفاعلة والمؤثرة حول الرئيس وينجو بجلده. وقال إن أفتتاح سد مروي يمثل مركزية الهوية السياسية للإنقاذ لأنهه تعبير علي أن الإقتصاد السياسي لمشروع الدولة الإسلامية يقوم علي استثمارات بنيوية في الطاقة والزراعة والمياه لإنتاج طبقة وسطي حديثة تعتبر هي الأساس الأيدلوجي لهذه الخطة. وبهذا التحليل فإن فيرهوفن قضي علي التفكير السائد وسط المغالين بأن مشروع الإسلاميين منحصر فقط في بناء المساجد وتعريب التعليم. وكذلك يفند التيار المناوئ والموغل في نقد تجربة بناء خزان مروي، إذ يعضد الدكتور هاري فيرهوفن من أن بناء خزان مروي هو أداة ووسيلة سياسية وليس مجرد خزان مرتفع الكلفة وغالي الثمن. ويعتقد فيرهوفن كذلك أن بناء السد هو مركز استراتيجية النهضة وإعادة تجديد صورة حكومة الإنقاذ بعد المفاصلة مع الترابي. وكأن الكاتب أراد أن يقول إن جوهر المشروع الحضاري سقط بعد المفاصلة وذهاب الترابي فقامت الحكومة بإبتدار تخطيط جديد يقوم علي مركزية النهضة والإقتصاد السياسي بدلا عن المشروع الحضاري المعنوي وتأكيد خطأ التوجه السياسي أثناء فترة قيادة الترابي للدولة.
يعتبر الدكتور هاري فيرهوفن أن إعادة بناء سلطة الإسلاميين في السودان اعتمد علي الإقتصاد السياسي وبذلك تم التخطيط لبناء دولة الإسلاميين الأوتوقراطية شبه العسكرية علي محور الاستثمار في الطاقة الهيدروليكية والمياه والزراعة، والجغرافيا السياسية لحوض النيل، وهو ما يتسق مع توجهات الإقتصاد العولمي ويخرج السودان من الإعتماد المباشر علي عطايا ومنح دول الخليج. وأكد الدكتور هاري فيرهوفن ان النخبة الإسلامية في السودان لم تركن لإدارة أقتصاد الريع الأفريقي بل استحدثت موارد بتخطيط سياسي ذكي لتكوين طبقة وسطي جديدة تحمل أفكار المشروع الإسلامي وتدافع عنه في اطار مثلث حمدي كما وصفه. وسلط الضوء مجددا علي دور اسامة عبدالله الذي ساهم في تطوير افكار المشروع وانفاذها وهو ليس جزءا اصيلا من الماكنة البيروقراطية في الدولة أثناء فترة بناء السد بل اكتسب تأثيره بقدر انجازه المادي وتأثيره المعنوي علي صانع القرار. ولكن كما لم يبين فيرهوفن في كتابه فإن أسامة عبد الله دفع ثمنا سياسيا باهظا جراء نجاحه الباهر في تحقيق هذه الإنجازات.
والخلاصة الواضحة من تحليل الدكتور فيرهوفن هو أن نموذج التنمية في مشروع الإسلاميين الثوري ارتكز ليس علي تطوير الإقتصاد الريعي علي النمط الأفريقي السائد، بل سارع لتطوير نموذج في الاقتصاد السياسي يقوم علي تفجير طاقات الزراعة والمياه وانتاج الطاقة الكهربية الرخيصة عبر التوليد المائي، مع اهتمام بالجغرافيا السياسية لموارد النيل. وقال إن هذا المشروع اشرف عليه متنفذون خارج سياق المنظومة الإدارية للدولة مما يعني خصوصية المهمة واهميتها السياسية والايدلوجية. أما نموذج الحكم والسياسة فيري فيرهوفن أن حكومة الإنقاذ مدت حبال السلطة من المركز الي الأطراف والريف لخلق تحالف جديد بين المركز والهامش.
سبق وأن استضفت الدكتور هاري فيرهوفن بالخرطوم للتحدث في ندوة خاصة اثناء فترة اعداده لرسالة الدكتوراة ومباحث هذا الكتاب أمها عدد من السفراء والدبلوماسيين والمهتمين وكان مجمل طرحه آنذاك هو ما اسماه في تقرير مشهور نشر آنذاك (الذهب الأسود مقابل الذهب الأزرق)، وكان يروج حينها للإعتماد المتبادل بين السودان واثيوبيا وهو أن تقدم أثيوبيا للسودان كهرباء رخيصة لأنها الأنسب للتوليد المائي مقابل أن يزودها السودان بالبترول أي (البترول مقابل الكهرباء). الآن بعد مرور خمس سنوات علي ورقته تم توقيع اتفاق سد النهضة ليؤكد أن كلفة انتاج الكهرباء في اثيوبيا ارخص من بناء خزانات لتوليدها في السودان. لكن حسب قوله فإن هذه المشروعات سياسية أكثر منها اقتصادية فقط.
هذا الكتاب يعيد طرح السؤال التاريخي ماذا سيتبقي من الإرث السياسي لدولة الإسلاميين في السودان؟
توجه الدكتور عبدالوهاب الأفندي في الندوة التي قدمها الدكتور الترابي في مدينة الدوحة بقطر قبل سنتين ونيف تقريبا التي استضافها مركز الدراسات العربية بقيادة عزمي بشارة بسؤال عن الإرث الذي سيتركه الترابي إذا قدر له أن يترجل عن مسرح السياسة والفكر وفضاء العمل العام. قدم الترابي حينها اجابة لم تكن شافية ومقنعة وطفق يستعرض جردا لما اسماه انجازات العشرية الأولي التي حصرها في تحرير المرأة والتوسع في التعليم ونشر اللغة العربية وهي جوهر الخطاب الذي انتقده المحبوب عبدالسلام في ورقة المقدمات التي اثارت جدلا فعالا حول كسوب التجربة الكلية.
الآن يثور ذات السؤال والرئيس البشير قاب قوسين أو أدني من تجديد ولاية دستورية جديدة عبر الإنتخابات و التي ستؤكد نتائجها حسب التوقعات والمؤشرات المتوفرة أنه سيكون الرئيس الأوحد في تاريخ السودان الحديث الذي ظل مسيطرا علي مقاليد الحكم والسياسة لأكثر من عقدين دون أن تضعف سيطرته أو تتضعضع سلطته، بل تزداد رسوخا واستقرارا، وذلك عكس مسار التاريخ في السياسة السودانية إذ تضعف سلطة الحكم كلما استطال مكث الحاكم وطال عهده وكثرت بطانته ومله الناس.
ويبقي السؤال ما هو الإرث السياسي الذي سيتذكره الشعب السوداني للرئيس البشير إذا أكمل دورته الرئاسية القادمة؟، والتي بختامها سيكون قد حكم السودان ثلاثة عقود كاملة؟. لا شك أن الناس سيختلفون علي توصيف هذا الإرث بين مناجز لا يري شيئا بل قاعا صفصفا، وبين مدافع يعدد مآثر الإنقاذ وانجازاتها في التوجهات الإسلامية و البني التحتية والخدمات. ولكن سيتفق الجميع أن حكم الرئيس البشير قد غير وجه السياسة في السودان الي الأبد. وهو كما أشار الدكتور فيرهوفن فأن جوهر مشروع الإنقاذ في السودان هو خلق طبقة وسطي عن طريق مشروعات انتاج وتنمية تتركز حول الزراعة والمياه والكهرباء الرخيصة عبر التوليد المائي، مع مراعاة الجغرافيا السياسية للنيل.
في مراجعات سابقة قال البروفيسور عبدالرحيم علي إن أكبر انجازات الإنقاذ هي أنها حسمت خيار التوجهات الإسلامية من سجل مناكفات السياسة السودانية للأبد، أما أبرز اخفاقاتها فهي عجزها عن تحقيق وبسط العدالة الإجتماعية. أما الدكتور قطبي المهدي فقد قال في إعتراف جهير أن أكبر انجازات الإنقاذ هي أنها حرمت اعداءها من الإستئثار بالسلطة واستخدامها ضدهم ، أما أبرز اخفاقاتها من وجهة نظره هو عدم قدرتها السيطرة علي الفساد.أما عبدالرحيم حمدي الخبير الإقتصادي المعروف فيري أن تحرير الإقتصاد واتاحة الخيار لمواطني جنوب السودان لتقرير مصيرهم بطريقة حضارية هو أكبر أنجازات الإنقاذ لأنها قفلت فوهة الشريان النازف منذ الإستقلال، وغير بعيد من هذا رأي الأستاذ علي عثمان النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية الذي عبر علي أن الإنقاذ امتلكت الشجاعة السياسية لتسوية قضية جنوب السودان، وأنها دفعت كل الدين المتراكم في التاريخ الوطني بشيك واحد هو أتفاقية السلام الشامل.
لكن في تقديري أن الإرث السياسي الذي سيتركه الرئيس البشير ليس انجازاته المادية من بني تحتية وخدمات، وليس امتلاك الشجاعة السياسية لتسوية قضية الجنوب، وليس التصدي بشكيمة وعزيمة للحصار والعقوبات وخوض الحروب الشرسة لحماية الأمن القومي. لكن تحقيقه لأول اختراق نوعي في تركيبة السلطة المركزية في تاريخ السودان الحديث.إذ لم تعد السلطة الآن قائمة علي مزاعم احتكار النخبة النيلية أو دولة الجلابة، بل هي تحالف وطيد بين المركز والأطراف، وهي كذلك تحالفا عريضا لأصحاب المصلحة وهم قواعد متنوعة منها النخبة والقبيلة والجهة والجندر والفئة والإقليم والدين والوطن.وصارت المشاركة في السلطة لا تقوم علي معايير التكنوقراط بل المحاصصة شبه العادلة لتمثيل القواعد الشعبية في الأقاليم الجغرافية المختلفة حسب ثقل التمثيل الشعبي، والوزن القبلي والشرائح الفئوية .بالطبع في ذلك ما يعيب لأنها ربما عمقت الجهوية ولكنها كسرت القاعدة التاريخية السائدة. والمراقب الحصيف يكتشف أن دارفور ولأول مرة في تاريخ السودان الحديث بعد انهيار دولة الخليفة عبدالله اصبحت جزءا اصيلا من تركيبة السلطة المركزية، ولم تعد هامشا في متن السياسة والحكم أوالحاقا رمزيا بل شريكا أصيلا.إن الإرث السياسي للرئيس البشير سيرتكز علي تحقيق السلام و تطوير صيغ نظام الحكم الفيدرالي واصلاح الحكم المحلي لأنه اساس الاستقرار السياسي،وقاعدة الانطلاق للمستقبل. ونجح الحكم الفيدرالي في توسيع قاعدة المشاركة السياسية ومكن أبناء الولايات والأقاليم من حكم أنفسهم وقلل من احتقان المنافسة الشرسة علي السلطة المركزية. وسيبقي التحدي هو أنزال اسس الفيدرالية المالية للمستويات الدنيا لأنه لا فيدرالية ادارية دون فيدرالية مالية.لا تحفظ كتب التاريخ لفترات الاستعمار الماضية شيئا من تشييد الدور والكباري ولكن تحفظ له تطوير نظم الإدارة والحكم. ، كان الأستاذ الصحفي محمد احمد شاموق صاحب كتاب الثورة الظافرة عقب عودته من مغتربات الخليج في مطلع التسعينات يكتب حلقات في صحافة الخرطوم تحت عنوان (صورة تقريبية)، وتحدث في حلقات عن الرئيس البشير الذي قال عنه مستشهدا بمقولة للرئيس الكيني دانيال آراب موي (أحسست منذ لقائي الأول معه كأنه رئيس منذ فترة طويلة).
سيكتب المناصرون أن الرئيس البشير حسم خيار التوجهات الإسلامية، وكذلك تحقيق النظام الرئاسي، وتطوير نظام الحكم والإدارة عبر النظام الفيدرالي، ومعالجة قضية الجنوب عبر تسوية سياسية شجاعة، وتحقيق قدر مميز من التنمية والخدمات وتوسيع قاعدة التعليم العام والجامعي.كما أعاد تصميم تركيبة السلطة المركزية خارج النمط التاريخي، .وربما سيزداد حجم انجازاته إذا تم حسم قضية الحرب والسلام في تاريخ السودان الحديث
سيكتب المناوؤن أنه احتكر السلطة لثلاث عقود، وضيق الحريات، وقسم الاحزاب، وفصل جنوب السودان، وأفقر الشعب.ولكن ستبقي كلمة التاريخ في أنه غير وجه السياسة السودانية للأبد، و أنه ظل سودانيا اصيلا لم تبطره السلطة وترجل من صهوة الحكم وهو مرفوع الرأس.وكما قال الدكتور هاري فيرهوفن في كتابه موضع النقاش فإن نموذج التنمية الذي قدمه الرئيس البشير يرتكز علي بناء طبقة وسطي من خلال تحريك واستثمار طاقة المياه والزراعة والتوليد المائي الرخيص وربط ذلك بالأيدلوجيا وشعارات التحول الإسلامي. وهو جوهر عقيدة الإنقاذ في الإقتصاد السياسي.
kha_daf@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم