تغرب لا مستعظما غير نفسهولا قابلا إلا لخالقه حكما
و لا سالكا إلا غبار عجاجة
ولا قابلا إلا لمكرمة طعما
كان هذا هو لسان حال شاعرنا الأسطورة : أبو الطيب المتنبي الشارح بشعره لمشاعره و الكاشف عن شعراته بشعريته و الناطق بلسان حاله عن فكره و وجدانه آماله و الامه و أحلامه و طوحاته التي ناطحت السحاب قبل ان يذهب حتف أنفه !!!
و قريبا من كل هذا : كان هذا هو حال صديقنا الشاعر الراحل محمد الفيتوري الذي غادر دار الفناء الى دار البقاء محفوفا برحمة الله تعالى و مغفرته و حمده و رضوانه . فقد تجول في طفولته و اغترب في شرخ شبابه ثم تغرب في كهولته حتى شاخ … ثم …. أناخ راحلته عند المشيب و في المغيب – زمانا ومكانا – في المغرب العتيق الذي أحبه و اختار أن يتوسد التراب فيه مؤكدا بل و مبرهنا على التماهي الوجودي ( = الأنطولوجي ؟ ) الرهيب الذي كان يحس به و تنبض به حروفه و كلماته و خلجات نفسه و خطواته ذات الايقاع المتفرد على شواطيء البحر المحيط الأطلسي عند كل صباح باكر في مغازلة الأمواج حين تصطخب وأصوات النوارس الرباطية المتناثرة في حبور بديع حين تلتقط أسماك ” السردين ” وملفوظات البحر المحيط الذي ” يدفع للقريب جاهرا جودا و يرسل للبعيد سحائبا ” .
لقد استثمر شاعرنا الراحل الفيتوري اقامته الهنيئة و الراقية في العاصمة الساحرة الرباط في اعادة قراءة تاريخ المملكة المغربية الفسيح و الوسيع . و استطاع بحسه الشعري و حدسه الشاعري المثقل بالفن و الموشح بالفكر أن يسطر احدى أعظم المسرحيات الشعرية عن شخصية أمير المسلمين المرابطين / الزعيم الأسطوري يوسف بن تاشفين بطل معركة الزلاقة الشهيرة التي توحدت فيها قوى المسلمين من المغرب و الأندلس فهزموا قوات الأمير الاسباني ألفونسو و قدموا درسا بليغا في الاستبسال و الاستشهاد المقرون بالتسامح و الكرم و نفيس مكارم أخلاق الاسلام يومذاك .
لنتوقف قليلا عند أهم الممسكات و الروابط والمعالم التي خلبت لب هذا الشاعر الراحل في ” غزوته ” / قراءته الرائعة للتاريخ المغربي ؛ و تحديدا عند شخصية هذا الأمير المجاهد يوسف بن تاشفين سليل قبائل المرابطين الصحراويين الذين جمعوا بين الفقه الديني و الدعوة العقدية من جهة ؛ و بين الطموح السياسي لتأسيس مشروع دولة عظمى تصون الحق و تحقق العدل و تنشر الفضيلة في ربوع الغرب الاسلامي و خاصة بعد شيوع الفتن و ظهور نفر من الأدعياء و تداعي الدول و السلطان حينذاك . و أسفرت المجاهدات و الاجتهادات النظرية و العملية الدؤوبة التي قام بها سلفه الداعية الصنهاجي اللمتوني عبدالله بن يس عن تجذر و ذيوع دعوة المرابطين حتى انكتب لها الانتشار ثم التمكين فتأسست الدولة المرابطية الجديدة في عاصمتها التاريخية مراكش على يد الأمير يوسف بن تاشفين .
ليس صعبا و لاغريبا على الراحل الفيتوري الانسان الجامع لصفات الكاتب النابه و الشاعر الألمعي و الصحفي المستبصر و الفنان المبدع و الموهوب الغوص في أعماق التاريخ الثقافي و الحضاري للمملكة المغربية بصفة خاصة و المغرب العربي بصفة عامة . لاشك أنه اطلع على أمهات الكتب الحاوية للعلوم و المعارف و الحكم الانسانية و الأدبيات الصوفية و الكتابات السياسية الجهادية و التحليلات المجتمعية و الحضارية بدقة تحكيها وتعكسها الحوارات و النقاشات اللطيفة التي كنا نستمتع بها في مجلسه الراتب في مقهى فندق ( باليما ) الشهير في قلب العاصمة الرباط . و كان الصحفي البارع و عازف الكمان الرشيق الراحل ابوبكر الصديق الشريف / الرئيس الأسبق للجالية السودانية قد قدمني له ذات يوم من أيام الله في بداية الثمانينيات حينما كنت طالبا أدرس الفلسفة بمدينة فاس العتيقة . و قد تكررت اللقاءات بعد تخرجي و انتقالي للعاصمة الرباط لاستكمال الدراسات العليا و، و انفتحت الحوارات القصيرة معه حول الشئوون السودانية و الشجون العالمية الأدبية منها و الفنية . و لا و لم و لن أدعي أبدا أنني قد كنت من أصدقائه أو ندمائه أو خلصائه لأسباب لاداعي لذكرها في هذا المقام ؛ و لكن الشاهد أنني كنت و مازلت وسأظل مستمتعا بطلاوة اللقاءات و العبارات الفنية و الأدبية العميقة التي كانت تصدر عنه في بعض السوانح و الخواطر و الزفرات الحرى التي تباطن عبقريته الشعرية الفريدة و التي شهدت قسطا منها عند ميلاد ديوانه الرباطي المولد و النشأة و الانتشار : ( شرق الشمس غرب القمر) في منتصف التسعينيات .
غاص الفيتوري في عمق التاريخ الثقافي المغربي و المغاربي غوصا عميقا ثم طفا خارجا و حاملا ملء كفيه حفنة من الدرر و الجواهر و الأصداف . و جلس ينقب متفحصا و منتقدا و متفقدا كل هذا فعثرعلى جوهر متفرد في معدنه ؛ انه يوسف بن تاشفين : رجل خلق للزعامة و الشجاعة و الكرم و القوة و الحزم . كان بطلا و زعيما نجدا كما شهدت له و به صحاري و جبال الأطلس و مدنه و قراه التي جابها داعية للمرابطين ، ثم قائدا عسكريا و مناضلا و مقاتلا و حكيما و زعيما سياسيا امتد نفوذ امبراطوريته من بلاد تونس شرقا و حتى منابع نهر النيجر و من أقاصي الجنوب المغربي الصحراوي ، الى أقصى شمال بلاد الندلس التي بسط سيادته التامة عليها بعد انتصاره التاريخي الساحق في معركة الزلاقة . و كان يوسف بن تاشفين قد أسس بهذا أكبر ولاية اسلامية في الخلافة العباسية في بلاد المغرب العربي . وخطب به أميرا للمسلمين في أكثر من ألف مسجد في بلاد المغرب و الأندلس حتى أن بعض المؤخين قد جعلوا منه نظيرا فريدا للقائد الأسطوري صلاح الدين الأيوبي . و لاشك أن بطلا وقائدا من هذا الحجم و الحضور و الوزن ؛ يستحق أن يخلد بقلم شاعر من نفس الوزن و المقام و الحجم الفني و الروحي و الابداعي الذي يسمو به الى اعلى ذرى الفن الشعري و الدرامي المسرحي .
لقد انفرد و تفرد الراحل الفيتوري اذن في اعادة قراءة و تفهم و هضم التراث و التاريخ الحضاري المغربي و المغاربي ، و تفنن في الكتابة الشعرية التي اتصلت عنده و لم تنفصل أبدا عن هواجسه و موضوعته (= الأفريقية الزنجية النضالية) الطامحة لخلق ارتباط وجودي و بنيوي بين الحرية و الجهاد و المجد و السؤدد . كان مسكونا بهواجس المغايرة كما هو حال المتنبي الذي أبدع في نحت كلماته و تعابيره و صوره الشعرية المسبوكة بقوة و نفس ونهج متفرد بين الشعراء . وها قد نجح الراحل الفيتوري بامتياز في ابراز قوة و غنى و حيوية النص الشعري الذي يمتلك و يمتليء لديه بقوة التعبير و سحر البيان أكثر من النثر .
غادر الخليفة يوسف بن تاشفين مسرح الحياة الدنيا بعد أن شيد ملكا عظيما بمراكش أثمر عن ثقافة و تراث أعظم انضاف الى عظمة و حضارة الاسلام في العصور الوسطى المغاربية ، و تلقف الفيتوري تلك الجذوة المشتعلة بالمجد والعظمة و الفخارفي قلب صحاري و جبال الأطلس ؛ فصاغها فكرا و شعرا و فنا و ابداعا شاهدا بالأصالة و العراقة و العظمة التي انضافت الى تلك الصفحات الناطقة بالمجد الطارف و التالد في جميع بلدان و حواري و سهول و صحاري القارة الأفريقية التي سكنت فيه فتساكن مع الى حد التماهي الوجودي الذي تنبض به حروف وبيت أشعاره المنثورة كالدر النفيس على شواطيء البحر المحيط حيث لفظ آخر أنفاسه ودفن بمقابر الشهداء في العاصمة الرباط .
حقا : ان الجسور المتينة التي شيدها التاريخ الوسيع الناطق بحقائق و رقائق و دقائق العلاقات التاريخية و المستقبلية التفاعلية العظيمة بين السودان و المغرب شاهدة تماما بأن العلامة الراحل عبدالله الطيب قد غادرمسرح الحياة بعد أن ملأ هذه الجسور علما وعطاء بجامعة مدينة فاس العتيقة ؛ ثم تلاه في الرحيل و الكاتب الروائي الطيب صالح الذي غمر فضاءات مهرجان أصيلة بالنثر و الابداع ، ثم ختم الفيتوري هذا العقد النضيد – وختامه مسك – فملأ الفضاء الرباطي و الأطلسي و المغاربي شعرا ونضالا و فنا وابداعا .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم