في رثاء عمنا عبد الحميد علي .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي/منظمة الايسيسكو/الرباط
25 أغسطس, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
مضى عمنا عبد الحميد إلى رحاب الله.فاضت روحه بالخرطوم، وأتى نعيه من دبي وتفرقت الرسائل في عزاء الأسرة الخندقاوية ما بين العواصم والمدن.عبد الحميد…ذكريات قديمة متصلة منذ عهود الطفولة والصبا، وجه وضئ ولهجة عذبة وعبارات وإشراقات في الرأي وفي التحليل، وشيء غير قليل من الطرافة والتفرد ،ونكهة خاصة، لا يمل معها من يستمع إليه أو ينظر إليه. حدثني خالي عبد الله عن مدى إعجاب الألمان بصورة فوتوغرافية احتفظ بهالعبد الحميد، في كامل هندامه، وعلقها على جدران مسكنه زمنابهامبورغ.طالما كان بهجة للنظر وتفاحة في المجالس!فتحنا أعيننا عليه.كان الوحيد من بين أعمامنا من اختار الهجرة مع والدي ،رحمه الله،إلى نيالا في جنوب دارفور، وكنا نجد في أحاديثه وذكرياته آصرة قوية تشدنا إلى أهلنا وموطننا عند منحنى النيل في مديرية دنقلة. وكان ،كما كنا جميعا بسبب ذلك الابتعاد،معنيا بتفاصيل العلائق والأنساب، مع تعلق قوي ومتصل بنيالا وأهل نيالا ممن كانوا يقتسمون معه العيش وتصاريف الحياة:فضل عيسى وجمعة وداوود وحماد وباحشين من عشائر الماهرية والرزيقات والهبانية والترجم ، ومن وجوه القوم:المقدوم أبو محمد الفضل، رحمه الله، وغيرهم كثير. فارق نيالا في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وكأنه اقتلع منها اقتلاعا، إلى بورسودان ثم إلى الخرطوم،يطارده قدر الخنادقة في ترحالهموهجرتهم.وظل يستعيد بكثير من الشجن والحنين ذكريات الصبا والشباب بها، وتفاصيل الحياة.كنت غالبا ما أراجعه عند لقاءاتي القصيرة به،في وقائع أضعفها في ذاكرتي بعد المكان وتطاول الزمان ، ولطالما اطمأننت إلى أن ما عنده يشفي الغليل..يا للحسرة! بموته تنقطع أسباب، وينضب معين،ويحل جدب، ويدب فناء إلى جزء من كيان المرء!وهل الإنسان في بعض شأنه، إلا تاريخ وذكريات؟ فإذا انقطع سبب من أسبابها أو جف نبع من منابعها، دب الموت والفناء إلى جزء من ذلك الكيان! هاتفني أخي إسماعيل وأنا أكتب هذا النعي، كان يغالب عبراته ودموعه ليقول لي:”فقدنا رجل عزيز يا مصطفى…إنا لله وإنا إليه راجعون…”كان ذلك قصارى ما استطاع قوله،منعه النشيج ، وأخرس لسانه النحيب..لابد أن خاطره كان يمور بما لا يحصى من المعاني والذكريات. ألا رحم الله عمنا عبد الحميد وسقى قبره بالديم الهاطلات، وأرسل على مرقده سحائب من رضوان وقبسا من نور يقشع الظلمة ويبدد العتمة ويؤنس الوحشة ، وجمعه بمن سبقه من إخوانه وأهله وأحبابه و أصحابه إلى دار الخلود، وجعل مثواه معهم في أعلى عليين، وبارك له في عقبه وذريته، وأسبغ علينا صبرا على فراقه. إنا لله وإنا إليه راجعون.