أزمة اللجوءِ القسري العالمية: هَل من دورٍ إنساني بعيداً عن الحكومات ؟ .. بقلم: جَمَـال مُحمّـد إبراهيْـم

 

أقرب إلى القلب:

Jamalim1@hotmail.com

(1)

      جائزة “مو ابراهيم” ، التي بادر بها منذ عام 2007 ، قصد منها تقدير القيادات الأفريقية التي أنجزت على صعيد تنمية بلدانها، مثلما أعطت المثل للقيادة الرشيدة التي جاءت عبر انتخابات حرة، وغادرت عبرها. إن الجائزىة البالغ قدرها خمسة ملايين من الدولارات الأمريكية ، يتنافس عليها الرؤساء الأفارقة السابقين. لقد فاز أربعة رؤساء سابقين بهذه الجائزة منذ إنشائها، ولكن جرى حجبها  عن الأعوام  2009 و 2010 وأيضا عامي 2012 و 2013، فيما فاز بها في العام الماضي، السيد بوهامبا رئيس جمهورية زامبياالسابق.

      إن “مؤسسة مو” التي تقود هذه المبادرة، تستحق أن نرفع لجهودها العمائم والقبعات..

(2)

      إن أغلب بلدان  القارة الأفريقية ، نالت استقلالها في السنوات التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، لتواجه على الفور معضلات بناء الأمة في كلّ بلد، والخروج من متعلقات الحقبة الكولونيالية، والتوجه لحلحلة تحديات التنمية الإقتصادية، والارتقاء بشعوب القارة، وتعزيز تحررها وانطلاقها . غير أننا نرى أداء معظم القيادات والنخب التي تحقق الإستقلال على يديها، قد تراجع ، فلم تنجز  لشعوبها  تطلعاتها لحياة أفضل، في مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . شاعت في الكثير من بلدان القارة الأفريقية ظاهرة الإنقلابات العسكرية، فتعثرت تجارب الديمقراطية فيها، وافتقرت الشعوب لقيادات رشيدة . إن مبادرة “نيباد” في مفتتح الألفية الثالثة، قصدت دعم الجهود الأفريقية للعبور إلى آفاق تنمية حقيقية ومستدامة، وأيضا قصدت الارتقاء بمعايير القيادة الأفريقية التي افتقرت إلى  قدرات حقيقية تعين شعوبها  للخروج من دوائر الفقر والأوبئة، ومن مصاعب امتلاك وسائل التقنية . لكأن نيل الاستقلال كان هدفاً لذاته، لا وسيلة للإنطلاق لإعطاء الاستقلال معناه الحقيقي.

(3)

      في العقود الأخيرة، وبعد الآنكشاف الإعلامي المتصاعد، صار المجتمع الدولي أكثر شفافية حيال خروقات حقوق الإنسان في البلدان النامية، وأشدّحساسية إزاء سياسات القهر والاستبداد، التي شاعت في الكثير من بلدان أفريقيا. فإن قصد العالم الأول تحفيز القيادات الأفريقية بصورة جدية، عبر مبادرة التنمية الجديدة في أفريقيا- “نيباد”، فإن مبادرة جائزة “مو إبراهيم” ،جاءت لدفع أداء القيادات السياسية الأفريقية ، وعلى مستوى رؤسائها ، إلى آفاق من النجاحات ، تعيد للقارة احترامها، ولشعوبها روحاً ضيعتها قيادات سابقة ، ولغت في الفساد وسوء الإدارة ، وغلبت الاستبداد في الحكم، على الشورى والديمقراطية.

      لعلّ حجب جائزة “مو ابراهيم” للحكم الرشيد، لأربعة أعوام، من جملة ثمانية أعوام ، يعود لسبب واضح، يتصل بمعيارٍ مهمٍّ اشترطته لجنة الجائزة ، وهو أن تمنح الجائزة للرؤساء السابقين في القارة الأفريقية، بما يعزز قيمة التداول الديموقراطي لأساليب الحكم، لا البقاء الأبدي في كراسي الرئاسة . وذلك معيار منطقي في تقييم الرؤساء ، إذ أن تداول السلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، هو أهم مقياس للحكم الرشيد.  شاعت في القارة السمراء ظاهرة بقاء رؤساء الدول فيها لعقود متوالية، بل وبعضهم  أعلنها،  وآخرين  خجلوا من التصريح بها، رئاسة مدى الحياة، أو توريثاً من أب لإبن أو أخ. ذلك يفسر حجب الجائزة  لأربعة دورات سابقة ، لانعدام من ينافس عليها من الأفارقة.

(4)

      ولمن لا يعرف ، فإن السيد “مو إبراهيم” ، هو مواطن سوداني إسمه “محمد إبراهيم فتحي”، سوداني الأصل ويحمل الجنسية البريطانية حالياً،وكان في قيادة الاتصالات البريطانية في ثمانينات القرن الماضي، إلى أن استقل وأسس شركته الخاصة “سيلتيل” العالمية . توسعت أعماله في قطاع الاتصالات العالمية والهواتف الجوّالة، وصار من البليونيرات الذين ترصدهم قوائم الأثرياء في العالم. بعد أن  باع شركته ببلايين الدولارات الأمريكية، إتجه إلى ساحات الأعمال الخيرية والطوعية  والإنسانية ، على مستوى العالم..

       منذ عام 2004، بدأ اهتمام الرجل بقضايا القارة الأفريقية التي ينتمي إليها، وأنشأ في عام 2007 “مؤسسة مو” ، والتي تركز اهتمامها بمبادرات تهدف إلى تحسين من أوضاع الحكم الرشيد في تلك القارة. هي المؤسسة التي جئنا على ذكر تخصيصها جائزة للقيادات الأفريقية الرشيدة، أول المقال.

      بمكونه الأفريقي والعربي، فإن انتماء السيد “محمد إبراهيم” إلى السودان، قد لا يعفيه من جانب انتمائه الأخر. ومثلما للسودان وضعه الخاص، بمكوناته الأفريقية والعربية، فإن الواحد قد يتوقع أن تمتد اهتمامات “مؤسسة مو”، والتي تتمتع بذات البعدين بحكم هوية مؤسسها ، لتلتفت للمكون المكمّل لهوية  “السيد مو”، صاحب مبادرة توطيد الحكم الرشيد في القارة السمراء. لو نظرنا للقارة الأفريقية ، فإن بلدان شمالها، تشكل الوجود العربي في القارة السمراء. يحمد لـ”مؤسسة مو” اهتمامها بأحوال القارة الأفريقية جنوب الصحراء ، ولكن ربما ثمّة تطلع مأمول، وعبر سيناريو لا يثير أية حساسيات، لأن تمتد اهتمامات المؤسسة، فتشمل القطاع العربي في الشرق الأوسط كله. ليس ذلك الإقليم بأقل حاجة من الارتقاء بأحوال الحكم الرشيد فيه، ممّا وجدت القارة السمراء.

(5)

      إن “مؤسسة مو إبراهيم” ، هي مكوّن رئيس من المكوّنات التي ينبغي أن تولي اهتماماً بالمجتمع العربي الأفريقي. وإن مبادرات تحسين أوضاع الحكمفي الإقليم، والمساعدة في تسوية النزاعات الناشبة، والعمل لتعزيز إشاعة الديمقراطية، وبسط الحريات في  بلدان القطاع العربي من إقليم الشرق الأوسط، تنتظر دوراً إيجابيا من “مؤسسة مو”، يتمدّد من القارة الأفريقية ، ليتصل بالقطاع العربي المشار إليه . ليس ذلك فحسب، بل ربما يُنتظر من “مؤسسة مو”، تبنى مبادرات  تغطي على تقاعس بعض الأطراف الأوروبية في  مقابلة المسئوليات الإنسانية المترتبة على تصاعد أزمة اللاجئين والمهاجرين قسراً، من مناطق النزاعات والاضطرابات. .  في سوريا وفي العراق وفي ليبيا، وفي السودان كذلك.

(6)

        ليس علينا انتظار الحكومات ، للقيام بدور إيجابي فاعل  تجاه هذه الأزمة الإنسانية  المتصاعدة، بل يظل الباب مفتوحاً لمؤسسات  في المجتمع المدني ، تتحرك للإسهام في حل هذا التحدي العالمي الماثل. إن “مؤسسة مو إبراهيم” ،وهي تمثل  أنموذجا لمنظمة مجتمع مدني مميزة، ذات بعد كوني، يمكن أن تستجيب لمعاناة قطاعات من البشر، شتتها التزاعات والاضطرابات، فتسهم بذلك وبفعاليةن  في التخيف من تداعيات قضية إنسانية واضحة المعالم، مثل قضية اللجوء والهجرة القسرية، التي استأثرت باهتمام العالم كله هذه الأيام. .

الخرطوم – 15 سبتمبر 2015

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً