في أن العالم لا يحتاج إلى الدين؟! .. بقلم: غسان علي عثمان

 

لا يمكن ربط التخلف السياسي بالدين، فدول كثيرة لا تؤسس خطابها على مقاصده تعاني أزمات أشد..!!

مارس العقل العلماني ترويجاً سيء النية لمقولة الإمام محمد عبده وجدت إسلاماً بغير مسلمين، وذلك توظيفاً لعُمامته الدينية!

العلمانيون متناقضون يسعون لسياسة بلا دين ويوظفون مقولات أئمته!

عالمية حقوق الإنسان استندت على التجربة الدينية العالمية..!  

ghassanworld@gmail.com  

من بقايا الصدمة الحضارية التي نجد تجلياتها حتى يوم الله هذا في أشكال الصراع السياسي والاجتماعي لأمتنا الإسلامية، هي أزمة تتكون في تخليق مستمر مثل قرد لعين يمارس هواية الإلهاء دون كلل، وما سوداننا باستنثاء، بل نحن في قلب هذا التجلي الحر، ومصداق ذلك تشظينا السياسي وتفاقم المصاعب الاجتماعية، لكن ما يستوقف المرء أن كثيراً من المحللين يقولون بأن ثمة خيط رفيع يجمع بين أزمات الأمة وأزماتنا وفكرة إقامة الدولة على الدين، طبعاً هذه مسألة سجالية لا نود الخوض فيها، ولكن قد يفوت على أصحاب هذا الرأي أن دولاً كثيرة يقوم نظامها السياسي في تعارض واضح مع الشريعة الإسلامية في أخف نسخها وأهونها مقاصد، لم تنل بعد شرف إقامة نظام سياسياً يقدم نموذجاً صالحاً للحكم وللمواطنين، فكيف يستقيم الحال بإلقاء تبعة التخلف على من يمارس الدين في السياسة (مع تحفظنا الكامل على مسألة ممارسة الدين في السياسة، ذلك لأننا أمة ما قام لها سلطانها في الأرض إلا عبر الدين) ووصفه بأنه النموذج الأسوء في المنطقة، دون الالتفات ولو لبرهة لدولة أخرى لا يشكل الدين حضوراً في سياساتها ولكنها قدمت وتقدم نموذجاً أسوداً لحالة اغتصاب الحريات العامة وسجونها مشحونة بالكامل بسجناء الرأي ولا تتورع عن تعذيب النساء وقتل الأطفال قنصاً دون تمييز، أهذه دول مرفوع عنها النقد لأن الدين لا يشكل جزءاً من خطابها، وبالتالي هي دول تعاني أزمات عادية، أما من يؤسس خطابه على الدين فإن الملامة في أفضح صورها تقع عليه، مالكم كيف تحكمون؟!. إنه وفي زمن ما كان الإمام محمد عبده المولود في ١٨٤٩م بدلتا النيل والمتوفي في الأسكندرية في 11 يوليو 1905م، الشيخ الأزهري المعمم وبمعية جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨م بأسد أباد وتوفي في اسطنبول ١٨٩٧م) وهو من هو، بعد أن حطا رحلهما بباريز (باريس كما كانت تنطق في قاموسنا اللغوي في آواخر القرن التاسع عشر) والرجل محمل بخيبات عديدة منها ما دفع به خارجاً هنا في بلاد موليير وفولتيير، بلاد روسو وتأسيساته السياسية، ديكارت وشكه الذي كان لا يزال يملك بريقاً، قال الإمام ما تم تناقله وذاع صيته بصورة مدبرة، قال إنه وجد إسلاماً بغير مسلمين! أين وجد ذلك؟ في فرنسا القرن التاسع عشر التي لم تتعاف بعد من صدمة الثورة، فرنسا التي أعلن فيها عن ميثاق جديد للحريات وكانت تمور وتغلي ساحتها السياسية بالصراعات بين دعاة عودة الملكية ما قبل الثورة وبين الثوار، ترى كيف استطاع الإمام محمد عبده أن ينطق بهذه المقولة في خضم هذا الصراع المرير؟ والشائع أن هذه المقولة رددها محمد عبده إعجاباً من طرفه أثناء زيارته لمؤتمر بباريس على الأرجح في 1881م، إذ ينقل عنه مقولته :” ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً ، ولم أجد مسلمين، و لما عدت للشرق، وجدت مسلمين، و لكن لم أجد إسلاماً” وعلى ما في هذه العبارة من إيقاع للصدمة إلا أنها كاشفة عن ضيق الرجل بمجاله الحضاري في مصر الخديوي،ومؤامرات القصر وحريمه، إن الصدمة تملكت الإمام سوار غليظ على معصم بارد، كما إنه لا يمكن للفرنساوية إسلام دون نطق الشهادتين، وما كانت للإمام جولات إلا في حدود ضيقة جداً تسمح له بإلقاء هذه العبارة على قارعة المثقفين والعامة، بت أشك أن الإمام قال بذلك فعلاً! ذلك لأن العبارة مصاغة بعناية تستوجب الوقوف على تخمتها بالإيديولوجيا العلمانية تلك التي تريد سلخ أمتنا العربية الإسلامية من الروحية خاصتنا وتسعى لتشقيق الذاكرة الحضارية.

قلنا إن عبارة الإمام مذاعة بشكل مريب، وكأنها تريد أن تقول ما لم يقله الرجل، وأصحاب امتياز إشاعتها ونسبتها للإمام يريدون الاستفادة من عمامة الرجل وزخمه الديني، حتى أنه متى ما نسبت إليه نالت صلاحية لا نهائية بل ودينية أيضاً، وهذا شكل آخر من أشكال تناقضات العقل العلماني، أنه يريد تثبيت أفعاله السياسية بعيداً عن الدين، وفي الوقت ذاته يوظف الدين ومقولات أئمته! انهم يسعون لتعميمها طمعاً في تسريب مقولات تصرح بأن العالم ليس بحاجة إلى دين، فقيم الإنسانية هكذا دون رابط معرفي تقبل أن تكون بديلاً للدين وأحواله! هذا قول أقل ما يوصف به أنه ساذج ومفبرك بعناية، ومن أسباب الشك لدي في نسبتها للشيخ الإمام في عدم وجود قوة داخلية لمقولة كهذه تمنحها ديمومة وانتشار بالصورة التي نراها، عبارة تعيش أكثر من قرن!! كأنها حكم فقهي أو أمر سلطاني كإعلان الحرب أو طلب الهدنة والسلام، عبارات ما هي إلا زفرات حرى نطق بها شيخ أزهري قادم من بلاد طردته قيمها السياسية ودفعت به إلى عالم مجهول بالنسبة إليه، شيخ مخنوق بروائح الفساد السياسي في موطنه، أيعقل تحميل عبارات الرجل أكثر مما تحتمل؟!

والذين يشيعون أن القيم الحضارية التي انتجتها الحضارة الغربية تكفي لإدارة أي مجتمع بسبب أن الدين في زعمهم يقوم على التفرقة على أساس عقدي وأيديولوجي أحياناً، وحقوق الإنسان تكفي لمنح كل إنسان حقه في الوجود يمارس حريته وفق إرادته الخاصة، يغيب على هؤلاء بل يعملون على تغييب حقيقة فشل هذه القيم المسماة إنسانية عالمية، فواقعنا الذي نعيش ونحن نبصر كيف تقوم على هذه القيم على عنصرية شاذة، تسمح لمؤسسات دولية الصمت على الموت المؤكد تحت دعاوى إنسانية، ولسنا في حاجة ماسة لإيراد النماذج حول عنصرية القيم العالمية وفشل زعمها بتوفير الحقوق لكل إنسان في الأرض، فالدلائل كثيرة جداً، ولو أننا نود طرح مسألة واحدة وهي موضوعة الهوية، فالقيم العالمية تكذب في قولها أنها ستمكن كل إنسان من بناء هويته الخاصة بمعزل عن أية شرور سياسية أو ثقافية، تقول إنها ستفعل دون أن تبين لنا كيفية صناعة هوية عالمية واحدة؟ وتتهرب من تهمة أن ما تقول به يعكس في الأساس جبرية وشمولية في إقرار أن الهوية واحدة لكل الناس، إن العالمية الإنسانية تريد فرض هوية واحدة على كل شعوب الأرض، أليس هذا عينه محاولة للتثقيف بالقوة، بل وصياغة إنسان يخدم أغراضها هي وهي فقط؟ دون الوضع في الاعتبار الخصوصيات والتي يشكل فيها الدين حجر الزاوية؟ ثم ما هي لائحة القيم التي يريد العالم فرضها بالقوة تحت مزاعم حقوق الإنسان وحريته؟ والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيقول شيء خلاف الاعتراف بالكرامة وحماية الإنسان؟ ترى من أين استمد هذا الإعلان مقولاته، بطبيعة من التجربة البشرية المتراكمة منذ بدء الخليقة، وقل لي بربك متى خلا العالم من شكل للدين أو محاولات لإقامة مطلق يتعلق به البشر في أي مكان وزمان كانوا؟! ثم من قال إن العالمية الأخلاقية لم تستند على الدين في وضع مرجعيتها التي تسعى لتعميمها، وإن لم تفعل نتهمها بالغباء واللامؤسسية.

فكيف يمكن للمسلم أن يفكر خارج صندوق وعيه؟ أمن قوة تستطيع أن تزحزح ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم من يوميات المسلم؟ كيف يمكن أن ننسى طاقته العظيمة بل والمستحيل تحققها وفق شروط المنهجية المدعاة علمية، رجل يحقق كل شيء من لاشيء، رجل يتخلص من كل أوهام الحضارة ويعيد تركيب المجد في الأرض في أخلاقية تتخطى كل محيط بل وتكتسب قوتها من إرادة لا تقهر، كيف يمكن لنا الهروب من تأمل صدق الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه وجاهزيته المطلقة في تأسيس الدعوة وإقامة الحجة العملية، ومن ذلك المؤرخ صاحب السر الذي سيعمل على محو عدالة الخطاب رضي الله عنه من قاموسنا السياسي؟ والإمام علي كرم الله وجهه وكل الصحابة أجمعين، لا أحد البتة، حتى أوروبا نموذج الحداثة وما بعدها لا تزال تحتفظ بشخصيات خرافية لا دليل على وجودها، بل إن نهضتها قامت على استحضار أرواح تائهة، ولم تكتف بذلك بل ضمت إلى نموذجها شخصيات إسلامية فسجلها يحتفظ بابن سينا وبن رشد وبن خلدون وبن الهيثم وعباس بن فرناس والقائمة تطول، ويأتي من ينادي بإعدام رموز الحضارة العربية الإسلامية بدعوى وصول العالم إلى نهايات الحتمية التاريخية، نقوم نحن بعملية الإخصاء هذه لصالح نموذج استمد مجمل قوته من انجازنا! بل الأدهى نسيان أن هؤلاء العلماء المسلمون، استمدوا قوتهم العلمية والفكرية من واقع كونهم ملتزمون بالتدين، فبن رشد المفترى عليه من قبل الكثير بوصفه أيقونة علمانية قالت بفصل الدين عن الدولة، وهذه واحدة من غباوات المشتغلين على تراث بن رشد، فالرجل ما قال ذلك أبداً، ودوننا مؤلفه (فصل المقال) (راجع مقالنا: بن رشد لم يكن علمانياً، مدونتنا( http://muthagafa.blogspot.comقلنا كان بن رشد قاضي القضاة في جزيرة الأندلس في قرطبة وأشبيلية، مع كونه فلكياً وطبيباً وفيلسوفاً أرسطياً بامتياز، بل أنه فقد بريقه بفعل مؤامرة أرادت أن تنال من أصل وجوده العلمي وذلك باتهامه بالكفر، فما كان له أن يعيش بوصفه فيلسوفاً عالماً إلا لتدينه فإن فقده فقد وصفه، وأيضاً بن خلدون فيلسوف الفاعلية الاجتماعية الرجل كان مالكياً متشدداً لدرجة عدم إخفاء عداؤه لنوع مشرقي من التفلسف وليس عداء ضد الفلسفة، وبن سينا الطبيب الماهر والفيلسوف كان صاحب مشروع ديني كبير وهو تديين الفلسفة وفلسفة التدين، مشروع باطني غارق في العرفانية، رغم كونه أيضاً طبيباً بارزاً ومؤلفه (الشفاء) الذي اعتمدته الحضارة الأوروبية وهي تتلمس طريقها نحو الحداثة، وبن الهيثم الذي تطور مشروعه في كنف الدولة الفاطمية في مصر وتحت رعاية سلطانها السياسي، وهي دولة بمعايير دعاة عالمية الإنسان وحقوقه دولة دينية بل ومشتطة في التدين، والنماذج لا يسعها هذا المقال، لكن الشاهد أن كل هؤلاء العلماء الذين عملت أوربا في نهضتها على استيعابهم كانوا علماء إسلاميين أي يؤمنون بالرؤية الإسلامية على اختلاف مدارسها وما كانوا قط ملاحدة ولا مشركين، لذلك دعوة أن العالم لا يحتاج في قيمه إلى دين هي دعوة باطلة بل وكاشفة عن ضعف معرفة بأصول الاجتماع البشري وقوانينه. إن إوربا لن تتنازل عن الإلياذة بل ستظل ملهمة للأوروبي سياسياً وفلسفياً، وغيرها الكثير، ولا يحق لأحد أن يطالب الأمة العربية الإسلامية بترك سجلها نهباً لدواعي مادية بل لنقل مابعد مادية ديدنها العمل على (تسليع) كل شيء حتى الجسد، ذاكرتنا تخصنا وهذا أمر من ضرورات الاجتماع الإنساني، فليس هناك أمة لا تملك ذاكرتها..

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً