حكاوي ومشاهدات من بلاد العم سام: جنس كضِب غايتو .. بقلم: د. بشير محمد / أمريكــــــــــا


 

قبل عشرين يوماً تقريباً سمحت وكالة الأغذية والأدوية الأمريكية للمثليين الرجال بالتبرع بدمائهم، وكانت المنظمة حتي قبل ذلك التاريخ لا تسمح للمثليين بالتبرع بالدم. السبب طبعاً هو إحتمال أن تنقل دماؤهم أمراضاً تنتقل بالدم مثل الإيدز أو الإلتهاب الكبدي البائي أو غيرهما..التغيير الذي حدث أن المنظمة قالت إن المثلي يظل غير مسموح له بالتبرع إذا كان قد مارس الشذوذ في مدة أقل من عام، كما قالت إنها قد تعرضت لضغوط شديدة وإتهامات بالتفرقة فيما يتعلق بهذا الموضوع..وقالت المنظمة إنه معلوم أن الدم يتم فحصه في كل حال قبل إعطائه للمريض
    ***
    ما يدعو للإستغراب هنا أن المثلي عندما يأتي للتبرع بالدم أو لإجراء فحص طبي أو حتي للتقدم لوظيفة لا يجد حرجاً في القول إنه مثلي، ويفعل الشئ ذاته متعاطي المخدرات أو الذي سُجن أو أدين بجريمة أو الموقوف علي ذمة قضية..

    ذكّرني هذا الأمر بحادثة ذكرتها لي إحدي قريباتي التي تعمل (سيستر) بحوادث مستشفي الخرطوم، حيث جاءهم يوماً مصابٌ في حادث حركة ينزفُ نزفاً حاداً..فأوقف الطبيب المناوب النزف وأمر بنقل دم إليه علي وجه السرعة، فأخبرته الممرضة أن الدم المتوافر الآن غير مفحوص(ولا أعرف كيف تمّ ذلك) فقال لها الطبيب ونسبةً لحرج حالة المريض: أعطِه الدم ثم نفحصه بعد ذلك..وكانت الكارثة، إذ إتضح أن الدم عندما فُحص كان ملوّثاً بفيروس الإيدز..
    سألتُ قريبتي: وهل أخبرتم المريض أنكم نقلتم إليه دماً ملوّثاً؟! فقالت: لا، وكانت هذه الكارثة الثانية
    ***
    لا توجد في بلادنا ولا في أيّ بلاد عربية أو إسلامية-حسب علمي- أية قوانين أو ترتيبات تمنع المثلي من التبرّع بالدم  ولا أظن أنه توجد أيُّ قوانين-حسب علمي كذلك- تمنع أو ترتّب لمتعاطِي المخدرات كيفية التبرّع بالدم أو بأعضائهم..والسبب أن متعاطي المخدرات ناهيك عن المثلي أو الحرامي او المختلس لا يعترف بنفسه ولا يدلُّ عليه أحدٌ من معارفه أو أصدقائه..والحرامي مثلاً أو المختلس في بلادنا وحتي عندما يعترف او -يُكفَش- يقال له (تحلل) وخلاس إنتهينا..أو ربما يُقال له (سترك الله فلماذا تهتك ستره؟)
    ***
    عندما جئنا إلي أمريكـــا وفي دروس الإدماج التي تُعطي للمهاجرين الجدد قالت لنا مدرّبتُنا: (هنا في أمريكا تحديداً وفي بلاد الغرب عموماً من أكبر الجرائم وأشدها عقوبة الكذب والتزوير والتهرّب من الضرائب..)
    والحقيقة هي أن الناسُ متربّون علي ذلك منذ كانوا أطفالاً في الإبتدائية.. وحذار أن تقول لطفل هنا إذا رنّ جرس التلفون مثلاً من شخص تعرفه: (قول ليهو بابا ما موجود)..سيلقّنك هذا الطفل درساً في عدم الكذب لن تنساه أبداًُ..
    وجرائم مثل الكذب والتزوير لفظاعتها ربما تُسحب بسببها جنسية الأمريكي (المتجنس) ويقبع غيره في السجن إلي مدد طويلة وهذا بالضبط بالإضافة للتربية هو ما يجعل المثلي او غيره وبلا تردّد يقول إنه مثلي او متعاطي مخدرات أو أنه موقوف علي ذمة قضية مخلّة بالشرف..
    ***
    نحن في ممارستنا اليومية هنا درجنا علي تطعيم مراجعينا بكل أنواع التطعيمات، ومن الطبيعي جداً أن يحيطك المراجع علماً أنه مصاب بالإيدز أو بالإلتهاب الكبدي أو غيرهما لتأخذ مزيداً من الحذر فضلاً عن أنّه يدوّن ذلك في لائحة بياناته التي يعبئُها قبل إتمام التطعيم..
    ***
    أنا أعتقد أنّ من أكبر المصائب التي يمكن أن تحل ببلادنا-أو بأيّ بلاد أخري- علي الإطلاق هي الكذب والتعود عليه وقبوله وعدم إستنكاره…فالمختلس والحرامي والمرتشي والمغتصب وحتي القاتل فإنه يهبطُ إلي الدرك الأسفل من درجات الجُرم عندما لا يعترف ويكذب..وإذا كان الكذبُ مستقبحاً من كل أحد فإنه أشدُّ قبحاً من الأمراء وولاة الأمر..ولقد ورد في الأثر الكريم أنه “قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جباناً ؟ قال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمن بخيلاً ؟ فقال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمن كذاباً ؟ فقال : لا “
    ***
    هنا في أمريكا مثلاً وعلي الرغم من أن المؤرخين لا يعرفون ما إذا كان الرئيس ريتشارد نيكسون كان يعلم بفضيحة ووترقيت قبل وقوعها في ١٧ يونية عام ١٩٧٢، ولكن بلا شك فإنه كان قد منع مكتب التحقيقات الفيدرالي من التحقيق وكان يعلم بإبادة الأدلة المتعلقة بالقضية ويعلم برفت بعض الموظفين لإزاحتهم من مسرح الأحداث، وكان قد كذب بشأن هذه الأحداث فكانت إستقالته في آغسطس ٧٤ هي الإستقالة الرئاسية الأولي والأشهر في التاريخ الرئاسي الأمريكي..
    ***
    في عام ١٩٩٨ عندما تفجرت فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون المشهورة لم يكن غضب الشعب الأمريكي عليه شديداً بسبب علاقاته خارج مؤسسة الزواج وإنما بسبب كذبه وإنكاره لهذه العلاقة -مع أنه كان من أنجح الرؤساء في التاريخ الحديث-والنتيجة كانت تعليق رخصته في المحاماة بولاية أركانسو ولاحقاً بالمحكمة الدستورية العليا ثم تغريمه ٩٠ ألف دولار لإدلائه ببيانات كاذبة وكادت أن تتهدم زيجته بل كاد أن يفقد منصب الرئاسة ذاته..

    أما بعد:
    هل يكذب رؤساؤنا ومسؤولونا في السودان؟
    هل نتذكّر لأيٍّ من رؤسائنا كذبة أو كذبتين أو ثلاثة؟

    هل تعوّد مسؤولونا علي الكذب؟
    هل يستقبح أحدٌ عليهم الكذب؟

    إذا كانت الإجابة بنعم علي أيٍّ من هذه الأسئلة فأعلموا أنكم في مصيبة عظيمة..
    وهي أن الشعب كله سيكذب إذا كذب رؤساؤه ومسؤولوه…

       د.بشير محمد….أمريكا
    

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً