الشّرقُ الأوسَط: مَـن يَذوْدَ الطّيـْرَ عَـنْ شَـجَرِه. .؟ .. بقلم: جمَـال مُحمّـد إبراهيْــم
29 يناير, 2016
جمال محمد ابراهيم, منبر الرأي
42 زيارة
أقرب إلى القلب :
Jamalim1@otmail.com
(1)
يبدو الشرق الوسط رقعة شطرنج يحتكرها لاعبون كبار، يقفون حولها ممسكين بالبيادق ، كبيرها وصغيرها ، يناورون فيها عبر “لعبة الأمم” القديمة ، لحسم معاركهم بأقل تكلفة ممكنة، وأكبر نتيجة تُحرز. أما لو قصدنا أن نكون أكثر واقعية ، فإن الإقليم يبدو كقصعة حولها جياع مجتمعون لقضم أطرافها، دون أن يكون لملاكها أيّ نصيب..
حرب اليمن الأهلية التي تدور رحاها في وديان اليمن وجبالها. في مدنها وقراها ، هي من نوع الحروب التي يتقاتل فيها أبناء بلد واحد، وطوائف متوافقة، وعقيدة واحدة، ولسان عربي واحد ، يتطاحن العرب فيها في حربٍبالوكالة، عن أطراف خفية لا ترصدها عين. .
ذلك هو اليمن الذي عرف حروباً شرسة في تاريخه القريب وتاريخه الأبعد.
(2)
حرب الستينات الأهلية وقد وقف أهل اليمن يتفرجون على مواجهات بين تيارين سادا الساحة العربية ، بين توجّهات تبنتْ سياسات تسعى لبناء حلم القومية العربية ، وقوى أخرى تتمسك بأساليبها التقليدية في إدارة أحوالها السياسية. رأس حربة الطرف الأول هي مصر عبدالناصر، ورأس حربة الطرف الثاني، هي سعودية الملك سعود أولاً ، ثم بعده الملك فيصل.
في المواجهات بين نظم ملكية ونظم جمهورية، والتي سادت في سنوات القرن العشرين الوسيطة، تورّطت مصر في حرب اليمن، مثلما دخلت السعودية في أتون هذه المواجهات. أرادت السعودية لليمن، ملكاً يماثل ملكها ، فيما أراد عبدالناصر لليمن مستقبلا يخرج شعبها من تخلف المُلك التقليدي العتيق، إلى براحات حكمٍ قوميٍّ اشتراكيّ..
في ذلك التاريخ، راح بين التوجّهين القتلى بالآلاف..
(3)
في أجواء الربيع العربي بعد 2011، انفرط عقد النظام اليمني الاستبدادي بسلوكياته المفرطة في الشمولية تحت قيادة صالح، ونواياه للحكم بالتوريث ، فتبدّد الاستقرار واندلعت المواحهات الطائفية، وقد قوّى النظام الاستبدادي من شوكتها ..
ولكن لم يختفِ صالح، بل سعى حثيثاً ليصطنع لنفسه دوراً جديداً في تحالف غير مقدّس مع الحوثيين ، ويجهض بذلك أيّ احتمال لنشوء ربيعٍ عربيّفي اليمن بل سعى لتأجيج صراع مُصطنع بين السنة والشيعة هناك.
عاصفة الحزم، والتي لم تكمل تحقيق كلّ أهدافها في اليمن، تزامنت معها تطورات في المشهد العالمي جدّ خطيرة. ثمّة تحوّلات إيجابية وقعت في المواقف الأمريكية والأوروبية عموماً ، نحو ايران، بعد الاتفاق حول المفاعل الايراني. إذ أحدثت تلك الصفقة خللاً في التوازن في العلاقات السعودية الامريكية ، والعلاقات السعودية الأوروبية…
(4)
لعل أوضح تداعيات هذه التطورات، تمثلتْ في ناحيتين :
أولاهما تتصل بالموقف السعودي الذي في انشغاله بالأزمة اليمنية ، ومساعيه لتقوية تحالفٍ ينجز عبره تسوية في اليمن، قد خصم من فعالية الدبلوماسية السعودية، ودورها المُرتقب في حلّ النزاعات الأخرى. فيما تتردّى الأوضاعُ في سوريا، فإنّ المساعي الدولية التي تقودها الأمم المتحدة، تتطلع لا تزال لدورٍ سعوديّ لا تخصم منه الإنشغالات السعودية في اليمن.
ثاني الأمرين يتصل بأجندات الأطراف الدولية المهمّة في تعاملها المحسوب مع المستجدّات في الشرق الأوسط، خاصّة على خلفية الحرب المعلنة ضد الإرهاب الدولي، والذي صار مُهدداً أمنياً للسلم العالمي. إنّ اتفاق المفاعل النووي الإيراني والذي يبرّر هذا الغزل الإيراني الغربي، أحدث اختراقاً في ملف علاقات إيران الإسلامية مع الولايات المتحدة – “الشيطان الأكبر” في الثقافة السياسية الإيرانية – وفي ملف علاقات إيران مع أوروبا. تلك التوجّسات التاريخية تجاه إيران الإسلامية، هي إلى زوال هذه الأيام. هاهوالخطاب الأمريكي يشي بتوصيفٍ جديد لشعوب المنطقة: “عرب سنة” و”عرب آخرين”، بما يعكس توجّهاً غرائبياً مستحدثاً، يهدف لاعتماد التباينات المذهبية في منطقىة الشرق الأوسط، معياراً مع معايير أخري، لترتيب علاقات اللاعبين الكبار باللاعبين السياسيين في المنطقة.
علينا ان نعمّق نظرنا بصورة أشمل، فلا يتداعى الطامعون على قصعتنا ، بل وأن لا نتركهم يرسمون خرائطنا. علينا أن نذودَ الطير عن شجرنا، فنحن أولى بثمره…
jamalim1@hotmail.com