إدارة العودة النهائية .. بقلم: مصطفى محكر


أسوأ حقيقة أن يتردد  الإنسان في العودة الى وطنه، خشية بطش سياسي أو قهر نتيجة بطالة متوقعة ،وتبعا لذلك  فقر وفاقة ، لذلك  تطول وتتمدد سنوات الغربة ، في حين تكون مسببات إطالة الغربة  لسنوات طوال غير حقيقة وبعيدة عن الواقعية ، ولكن حينما يصبح الإنسان تحت تأثير العقلية الجمعية تكون إموره كلها  لاتنبع عن قناعات شخصية مطلقة ، بدليل أن بعضهم يستشهد بأخرين حاولوا الإستقرار في الوطن غير أنهم مالبسوا أن عادوا ادراجهم مرة أخرى الى ديار الإغتراب ، لأن جامع الضرائب مثلا فرض أتوات لم يستطعوا التكيف معها، أو أن “زيد من الناس” مارس عليهم إسلوبالتدليس حتى أخرجهم من السوق، أو سيطرت عليهم نظرية المؤامرة وأعتقدوا أنهم محاربون من قبل أخرين، يتربصون بهم الدوائر، بل بعض العائدين كرها الى الغربة مرة ثانية ربما هربوا من كثرة الأضياف ،الذين لم يتعودوا عليهم في سنوات الغربة الطويلة ، حتى أن بعضهم يعتقد أن قصص أهل العوض ضربا من الخيال وليس حقيقة تمشي على رجلين وأنهم أناس  يطرقون أبواب البيوت الصغيرة والكبيرة ، في إي لحظة ليلا أو نهارا أو حتى فجرا ،وتعلو وجوههم الوضئية إبتسامة  لأتحتاج لترجمان. ولعل قصص أهل العوض أضحت حالة عامة لأتنحصر في رقعة جغرافية صغيرة، مع إختلاف المسميات.

نعم ،العائدون كرها الى الغربة، لم يكيفوا أنفسهم مع واقع العودة النهائية ولعل البقاء لسنوات طويلة في نمط معين  يتنقل فيه المغترب بين” شقته ومكان عمله “، أو إستراحة أو قصر أفراح يذهب اليه”أحيانا”  في المناسبات الاجتماعية ، جعله ينسى أو يتناسى ، كيف يحيا الناس في بلادنا، فأفراحهم وأتراحهم محضورة، ولاتعترف مطلقا بأعذار الغياب.

ذات مرة وخلال مشاركتي في برنامج حتى تكتمل الصورة الذي يقدمه الأستاذ الطاهر التوم بقناة النيل الأزرق ، قلت في حضور سفير السودان بالسعودية عبد الحافظ أبراهيم والامين العام السابق لجهاز شئون السودانيين العاملين بالخارج ” السابق” د. كرار التهامي ، أن كثير من المغتربين في حاجة” لمعالجين نفسانيين” ،والإ كيف تأبى النفس السًوية أرض شهدت  أفراحها الجميلة وأحزانها النبيلة !.

صحيح أن الواقع في بلادنا “صعب” لجهة العيش الرغد ، أو قل ،كثيرون يعانون ، ولكن لن تبلغ مرحلة معاناتهم “شظف العيش” ، كما أن الأمر الذي عنه نتحدث لايعني أننا ندفع الناس دفعا الى العودة ، كيفما أتفق، بل نتحدث عن الذين تقاعدوا عن العمل في أرض الغربة ، أو الذين توقفوا عن العمل بسبب المرض، أو الكبر ، أو عدم وجود فرص تستوعب خبراتهم وإمكانياتهم ، “بالله عليكم” كيف  يبرر بقاء هؤلاء في غربة أضحت الإبتسامة فيها عصية !.

وحتى تحفظ كرامة من أعطوا الوطن بلا منى أو أذى، يتوجب على الجهات الرسمية في الدولة أن تخصص وحدة تعنى بترتيب إمورالعائدين من الغربة ، ويمكن أن يخصص لها مكتب صغير في جهاز شئون السودانيين العاملين بالخارج ، ويعين  له ثلاث موظفين ، تحت إسم ” إدارة ترتيب العودة النهائية” ، ليعنى بدراسة ملفات قضايا العائدين لمعرفة العائد بعجز عن العمل أو مرض مزمن ، او إمراه وأطفالها فقدوا عائلهم في الغربة ، الى نحو ذلك من الأسباب الإنسانية التي تستوجب تقديم الدعم والعون لهذه الحالات، وهي كثيرة للغاية، فأعداد كبيرة من هؤلاء يمنعهم تعففهم من طلب العون حتى ولو من قبل الحكومة، ولكن إن أصبح أمر مد يد العون لهم  عملا رسميا يحفظ ،كرامتهم سيكون مكان ترحيب، بأن يوفر لهم العلاج ، ويخصص لهم دعما ماليا، أو معاونتهم في إمتلاك مأوى ، وما أكثر مخططات السكن الشعبي في العاصمة وكل مدن السودان ، وحتى يكون الأمر دقيقا يجب أن تسبقه دراسات ذكية لهذه الحالات في أرض الغربة ،وأن يخصص جزء من عائدات جهاز المغتربين لدعم مثل هذا المشروع.  نأمل أن لايذهب  حديثنا  الى خانة أنه ” كلام جرايد”.       والله ولي التوفيق.

mmuhakar1@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً