تأمّـل فى رؤية البروفسير كامل إدريس .. بقلم: د عبدالمنعم عبدالباقى على
2 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
36 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
أهدانى البروفسير كامل إدريس، مشكوراً، سفره العظيم: “السودان ٢٠٢٥تقويم المسار وحلم المستقبل”، والذى صدر فى فاتحة هذا العام من دار السلام للنشر بمصر الشقيقة.
والكتاب يحتوى على عشرة أبواب متكاملة فى المحتوى تبدأ بباب “السودان بين الثابت والمتغير”، وهو عرض للبعدين الجغرافى والاستراتيجى للوطن ولبُعد الهويّة للمواطن وقد عدّها أبعاداً ثابتة، ثم تطرّق للأبعاد المتغيّرة وهى التّحولات الدولية والاقليمية ومن ثَمّ بُعد بناء الدّولة السودانيّة الحديثة بشروط الرؤية الصائبة والتخطيط السليم والنظام الديموقراطى وكيفية إجراءات بناء الثقة بين أبناء وبنات الوطن كافة.
والباب فيه مزج لطيف كألوان قوس قزح للماضى والحاضر والمستقبل يبدأ من أرضية صلبة وينتهى بالمتحرّك حالة كونه إنساناً أو مفهوماً، وهو ديدنه منذ البداية فى المدخل “من أقوال المؤلّف” ومنها أنّ: “كلّ صفحة فى تاريخ الأمّـة لها عنوان”، وهو ما ينبّه الغافل إلى قصد المؤلّف أنّ هذه الصفحات المعنونة إنّما يكتبها أبناؤها وبناتها بفعلهم قبل قلمهم، وهو بعمله هذا إنّمايؤدّى جزءاً من دوره الذى سيكون جزءاً من هذا التّاريخ.
ولم يفت علىّ استخدام الكاتب للقوّة النّاعمة، الأكثر فعاليّة، والروح التّوافقيّةالتّصالحيّة التى تتسيّد المؤلف فلا تكاد تخلو منها صفحة إلّا وتنساب برفق بلا شطط ولا غلط، ولم تغفل عينى عن تواضعه المتصوّف وغمطه لحقّه وعلمه وخبرته وإنجازاته وهذه صفة العظماء. ومن صفاتهم أيضاً التّخلّق بأخلاق المبادرين الشوامخ، والمضحّين بسعادتهم وراحتهم، والمهمومين حتى النخاع بأمر شعوبهم من بناة الأمم، وأيضاً التّصالح مع أفكارهم النّيرة، ومع صلابة مواقفهم، ومضاء عزيمتهم، ووضوح رؤيتهم من أمثال الدكتورمهاتير محمد والحكيم نيلسون مانديلا ومن قبلهما المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
والكتاب ملىء بفصوص الحكمة التى تدعو للوفاق، وتنبذ الشقاق، وتوسّعماعون الوعى حتى لا يُسلم الوطن الأنفاس والنّاس حوله أو فوق جسده شركاء متشاكسون مشرعون المدية مثل تاجر البندقيّة يطلبون رطلهم من اللحم. وهو بذلك يُعلى من قيمة التّصالح والتّسامح ويختطّ طريقاً ثالثاً للخروج من نّفق الأزمة السودانيّة بعد أن جرّب طريقى العسكر وفوضىالحريّة السياسة التى سُمّيت ظلماً بالديمقراطيّة.
ويتواصل الديدن فى “رسالة الكتاب” فيبيّن أنّ ما يصنع الدّولة هو إنسانها وأنّه أغلى ما تملك من ثروة وهذا الإنسان المكلّف يناط به تصميم مشروع وطنىّ يُعنى بوضع استراتيجيّة تسويقيّة للسودان تسعى لخلق قيمة جديدة للوطن تحلّ مكان ما رسب فى أذهان العالمين من صور سالبة ويدعو للاستفادة من تجارب الشعوب فكلّنا لآدم.
أمّـا الافتتاحيّة فلا توارب قصد المؤلّف وإنما تطرحه مضيئاً كالشمس فى رابعة النّهار فلنسمع لقوله:
“وحرصاً على أن يبلغ السودان مراسى السلام ومرافئ الأمن والاستقرار ومشارف حلم المستقبل، وتنداح أمامه فرص التّقدّم، ليغدو قادراً على صنع الخير لأهله وللناس من حوله – رأيت أنّه من مسؤوليتى، وواجباً علىّ، وحقّاً لى، أن أسهم بالرأى بما عساه أن يعين فى تقويم المسار برؤية استراتيجيّة تستشرف مستقبلاً آمناً مستقرّاً متفتّحاً على التّقدم، يصنعه كل بنيه ولمصلحتهم على سنن العدل والمساواة والإنصاف، ليغدو السودان أقلّ افتقاراً، وأكثر إنصافاً، وأفضل أماناً”.
والمؤلف لا يفتأ يذكّرنا أن من بيده حلّ مشكلته هو صاحب المشكلة وأىّ حلٍّ لا ينغرس فى التراث الأصيل للأمّة ولا يقرأ واقعها ولا يُخلص فى مسعاه فهو حلٌّ مًنْبتٌّ مثل الكلمة الخبيثة ليس لها من قرار ومصيرها إلى زوال.
وهذا الأسلوب يشى عن نفسه أنّه قد سبقه الكثير من التفكّر والبناء بتؤدة ولم يكن وليد تسرّع وارتجال، وهو أيضاً يحمل فى جوانبه نفسية الكاتب المهمومة باستقصاء الأسباب ولكن أيضاً باستحلاب الحلول وعدم الاستسلام لليأس مهما انعدم الضوء.
وضمّ الباب الثانى بين ضفتيه فذلكة تاريخية فى إحدى وعشرين مبحثاً واختار المؤلف منهجاً نقديّاً تحليليّاً بطريقة أكاديميّة علمية موضوعيّة رصينة لم تلجأ للتجريح ولا التهريج وبلغة ناعمة مقلمّة الأظفار تظهر الدبلوماسيّة التّوفيقيّة فى أرجائها بلا خفر ولكنها اعتمدت الحقائق، كما رآها المؤلف،والتى اعتمد فيها على الوثائق وخلص فيها إلى ما طاب له قلبه وعقله من أسباب التوفيق والإخفاق، وهو جهد قصد به التنبيه على الدروس والعبر المتخلصة التى تلت فى الباب الثالث.
ولا شكّ أنّ المؤلّف قد انتقى منهج التركيز على المشكلة ومعرفة جذورها ومن ثمَّ التوصّل إلى حلّها، وهو المنهج المتعارف عليه بين النّاس وهو منهج يسعى للتشخيص قبل اقتراح العلاج كما يفعل الأطبّاء ولكنّه يفاجئنا فى النصف الثانى للكتاب، بدءاً بالباب السادس، بانتهاج ما يعرف بمنهج التركيز على الحل وليس على المشكلة، وقد يظن القارىء الكريم أنّ هناك تعارضاً منهجيّاً ولكنه ظنٌّ لا يستند على دليل فالمنهجان متكاملان والتفريض فى التركيز على المشاكل ذات الديمومة والتفاعل يؤدّى لليأس، وهذا التناول ينمُّ عن العقلية التكامليّة والمنظمة للمؤلّف، ولكنّها ذات تمرّد ضمنى كما يجرى الماء تحت الأرض، والتى تبحث عن الأمل، ولذا لا تستنكف أن تجرّب كل الأدوات ولا أن تطرق كلّ الأبواب وتفكّر خارج صندوق النمط كما يقولون. وإيجاد الحلول للعويص من المشاكل لا يتأتّى باستخدام الأدوات التى أدّت للمشاكل ولكن لا بدّ من منهج جديد يفتح أبواباً أخرى للفهم وللعمل.
والبروفسير كامل إدريس بلا شكّ قد بذل مجهوداً تكلّ عنه العصبة أولى القوّة، وهو المجهود الذى كان يجب أن تقوم به المجموعات الفكريّة والحزبيّة،ولكنّها استبدلت الفكر بالشعارات وبالحركيّة ناسية أو متناسيةً أن الفكر بذرٌ بدونه يصير المكان بلقعاً وإن فلحته وسقيته وقمت على شأنه. وهو خلاصة تجارب حياتيّة عديدة وقراءات متنوّعة وسياحة فكريّة مذهلة وعمق نوعىّ ووعىٍ حديد. وهو يدعونا بعمله هذا، بعد أن شخّص لنا أنّ سبب بلائنا هو غياب رؤية عميقة شاملة، لتناول خيوط الحرير من كتابه ونبذ الكسل الذهنى، حتى ننسج منها رداءً يغطّى سوءاتنا ونبنى عليها ونستخلص منها أفكاراً جديدة تؤدّى إلى رؤية متكاملة يمتلكها كلّ أفراد الوطن،فيضعون لها الخطط الواضحة المبنيّة على الحقائق العلميّة المتّصلة بالواقع والمتفاعلة مع العالم، ويشرعون من بعدها لإقامة دولة القانون والمشاريع على أساس العلم والاجتهاد لبناء الأمّة من شعوبها المتفرّقة، تركيزاً على إنسانها تنمية وعدالة، فالتّنوّع له قيمة جمالية وعمليّة إذا ما أحسن فهمه ونسجه.
وقد سمعت لأكثر من عقدين كيف أنّنا كأمّة نحتاج إلى رؤية جديدة ومشروع قومى جديد ولكن لم أسمع من الذى سوف يقوم بهذا العمل، وكيف سيكون شكله ومحتواه، ولا من سيطبّقه، ولا متى سيتمّ تطبيقه، ولا عن مجهود ذا قيمة إلا مجهود الدكتور عمرو محمد عباس فى كتابيه الرؤية السودانيّة: إنتاج الفشل ونحو إطار عام للرؤية، وهذه هى فرصتنا لنجعل هذا العمل وكلّ الأعمال المشابهة، نواة نرعاها ونسقيها ونحميها فصاحبها لم يدّعى شمولاً أو كمالاً ولكنه مجهود مقدّرٌ لابن من أبنائها المخلصين والحادبين على مصلحته علّهُ يزيل الغمّة.
وختاماً لا أجد بدّاً من تذكير نفسى وغيرى لطىّ الأكمّة، وشحذ الهمّة لبناء الأمّة، واتّخاذ رؤية هذا الكتاب كبداية للعمل تجويداً وبذلاً وتكاتفاً حتى ننفى ذاتيّتنا لنحقّق ونُعلى من قيمة الوطن.