أوراق قديمة (8) .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي/ الرباط
2 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
مقهى أوبرا..وجوه شقراء و أزياء سوداء.. جلس إلى طاولة سوداء تحيط بها كراسي سوداء..الديكور كله أسود! الملصقات يسارية والجو بوهيمي و الروح باريسية.. ذلك كله هيجحنينه لباريس و معاهد أحلامه و مسارب آماله ، ومنطلقات روحه و عقله فيها.. ذلك كله أغراه لكي يبحث عن مجلس و كرسي، في هذا المقهى المنزوي في إحدى حوافّ الدنيا في هذا الشمال البارد،وصرفه عن الجو الدافئ البديع والشمس المشرقة في الخارج.كان قد تجول قليلا ثم سلك الطريق المؤدية إلى الميناء و سوق السمك…تعلقت عيناه بتحف بديعة الصنع..رغب في شرائها وإهدائها، ثم لم يهتد إلى رأي، حتى متعة العطاء تغدو أحيانا غير متاحةّ! أشقي هو؟ أشقي بما هو فيه؟ لم يكن يدري..ثم بدا له أنه أفضل حالا ممن هم حوله إن كانت الأشياء في جملتها نسبية!
ما انفكّ القنوط الثقيل يحلّ عليه من حين لحين..كان قد تحّول إلى شيء شبيه بالشجن قبل أسبوع،لكنه سرعان ما عاوده اليوم كأشدّ ما يكون!
بمقياس عام لا يبدومتعثرا في حياته..يغبطه هؤلاء و يمقته هؤلاء..لكنه حينما يخلو إلى نفسه تبدو له تفاصيل أخرى ويقوده النظر إلى شيء من الشكّ ! شيء من عفوية وتلقائية يقود خطواته!
قضى جلّ يومه مع أندرس.عرفت نفسه شيئا من الهدوء.تأمل واقع أمره وواسى نفسه متمثلاحقيقة أمر الدنيا..تأمل معاني الموت و الحياة..اختلط أمراهما، ذلك أن التبصر يفضي إلى شيء من المفارقة، فكم من حيّ هو في خمود ذكره وخمول أحواله كالميت، و كم من ميت غدا مثواه ضريحا يزار و سببا في حياة وعمار ومدينة!
قرأ كلاما قديما كتبه قبل بضع عشرة سنة ، في صيف قائظ بالفاشر الثانوية،توسل فيه ألا يكونفي عداد مقبرة الحياة!واستقر في وجدانه منذئذ، أنمن شأن الحياة في بعض صروفها، أن تكون مقبرة! أين هو اليوم من ذلك كله
—–
ما أبدع هذا الصباح المشرق! ينظر منذ اليوم إلى هذه المدينة بعيون أخرى..لطالما ردّد أن السعادة إنما تنبعث من داخل نفس المرء، وأن البهجة ما هي إلا تجاوب داخلي مع مظاهر الجمال الخارجي، من عطر ولون وألق وطيب هواء وحسن جمال…لا يدري كم من مرة استغرقتههذه الخواطر،ينام عليها و يفيق؟
أحسّ منذ يومه أنه إيطالي المزاج ، ميديتراني الهوى، تبسم له المدينة وتطالعه بعيون زرقاء فيروزية..ثمة جوانب داخل نفسه قلّ من يدركها و يتجاوب معها.. قل من ينفذ إليها!
كان قبل ليال يردّد أبياتا قديمة للعقاد، يفكر في جمال المدينة الذي لا ينفذ إلى قلبه الموصد المنكفئ:
ما حيلة الجنة الزهراء إن صفرت
من وردة هي عندي منتهى أربي
في غير لبنان تسلو ريح جنّته
إذا التمست نصيح الطبّ عن كثب
——–
كان قلبه معرضا و خاطره خامدا نافرا.تهيأ له أن كل قطرة تنهمر من السماء و تستحيل إلى جدول أو سيل يختلط بمياه المحيط، تحتوي على سر من أسرار أشجانه في هذه المدينة الشمالية الباردة…و أن كل ورقة تسقط من شجرة تعرف طرفا من ارتعاشات قلبه و نبضاته…و أن كل ذرة تصدرها الشمس فتستحيل في غلالات الشعاع، تمتزج بشحنة اختصها بها وحدها دون سائر الناس ..و أن كل أنة أو زفرة تبثها الريح أو يرتلها النسيم،إنما هي عزاء و محاكاة لترنيمة من ترانيم قلبه الهصير..
شيء من كبر يجد طريقه إلى نفسه…يحس أن بيرغن مدينة له بهذا الألق الإشراق و السعادةّ ..لا جرم ،فهو شعور قلما يبيحه لنفسه!هلا استفتى قلبه ! كانت المدينة منزوية في هذه الحافة القصية من اﻷرض حتى جاء شاعر من الجنوب ، قلبه مثقل بعاطفة حركت سهول الجليد و جبال الثلوج ، فاستحالت بستانا أخضر تجري عيونه و تصدح أطياره و يطيب هواؤه….أما هو فقد انكفأ و انزوى إلى ذلك النفق الذي يحتوي نفسه و يحول بينها و بين المتع و الرغائب .
بيرغن من تحته صخرة خضراء..ملونة الاخضرار، والماء مطبق عليها من فوق ومن تحت..الماء في شتى صوره، ملح وعذب..سحاب وثلج…
———
قال له : “تمتع من هذه الخضرة..عما قليل سوف تفارقها..سيطول بك المدى قبل أن تلم بها مرة أخرى!”
كان من جنوب النرويج، شعره في لون الثلج، وعيناه في لون البحر…تشتعل الأفكار في ذهنه اشتعالا، وتهمس بها حروفه همسا.حدثه عن رحالة انجليزي.، كتب كتابا عن (درب الأربعين)..غمره شعور عميق بالمفاجأة! ما الذي جعله ينتقل من صقيع الشمال إلى رياح السموم في صحاري بيوضة والعتمور؟…مضى علي عام وهو يدور حول درب الأربعين، مشاهدو أحداث،قوافل ورجال،رعاة ومحاربون، سلطنات و ممالك، هضاب و سهول، موت و حياة! غمرتهمشاهد من وادي القعب و واحاته المنقطعة المتصلة، منابت النخل و العشر، ومأوى الظباء والقطا، وشرد خاطره إلى مفازة الباجة، وأسرارها التي لم تبح بها، منذ أن كانت دلتا عامرة بالخصب تغمرها مياه وادي الملك !
ليس يرى أرضا تحته، وإنما صخرة هائلة، تتخللها أخاديد وأودية يغمرها الثلج…ثلج شبيه بأودية الرمال التي تتخلل الهضاب النوبية، ولكنه يفوق الرمل بياضا و نعومة..ما أبعد التشبيه..بل هو يفوق القطن بياضا و نعومة!
صاروا إلى صخرة أخرى مخضرة، لكنه اخضرار يميل إلى الغبرة..الماء ثمة ليس خلجانا و لا أنهارا، بل أودية وجداول.غمره شعور بالأمن…ما فتئ المرء يرتاع لرؤية الماء و يطمئن إذ تمسّقدماه الأرض!
وصلوا إلى مطار أوسلو…المسافرون من حوله تبدو على وجوههم و لباسهم الدعة..تذكر وجوهابيضاء استبشعها لوهلة في مطار الخرطوم، مطلع الربيع..و تذكر ما صار إليه منذ حين : أن الحسن إنما هو اتساق مع الزمان و المكان.
بيرغن –أوسلو، يونيو 1989
alkhandagawi@yahoo.fr