التأويل البياني للنقد (1-2) .. بقلم: ناصر السيد النور*
14 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
40 زيارة
إنَّ المنظومة اللغوية التي تنتج الخطاب أوالنصّ لا يحدها السياق الحامل لما تؤديه ألفاظها ومفاهيمها الدلالية، بالتالي يتوقف الأداء اللغوي بما هو نقل مستمر للأفكار التي تتشكل من وضعية المفردات داخل حيز النص، ولكن ترابطت تلك المقدمات اللغوية بما يتنازعها من اصطلاحات ونظريات تجهد في تكمين النص اللغوي لإيضاح الأصول التي غالباً ما تتنازعها عوامل التغيير والتبديل أي التطور الذي تكتسبه بعض من المفردات والمفاهيم وفقاً للحاجة المعرفية، لا يحدث تداول للمعلومات والأفكار دون وسيط لغوي يختزن ما تودعه المعرفة الإنسانية وهي آخذة في التعقيد والتراكم، ومن ثم توصلت المحاولات المعرفية لفهم النصوص وما تحيل إليه من مفاهيم ومعارف ذات توجه لغوي وفكري لقراءة بيانية متداخلة المناهج (interdisciplinary)، لا تقف عند تمييز النصوص كما في النقد التقليدي؛ ولكن لدراسة هذه النصوص والارتقاء بها على ضوء المعرفة المستجدة في مسيرة الدراسات النقدية، واللغة في ماهيتها البنيوية تعمل على الإفصاح بمدلولاتها المجازية وحركة المفردات داخلها، فإن تبيان تلك الدلالات اللغوية دائماً ما تتطلب الإبانة المفصحة كما في البلاغة ومن ثم النقد والتفسير والتأويل؛ وهي مترادفات لا تشير إلى اصطلاح بعينه دون الآخر وإن كانت جميعاً تنتظم الإجراء النقدي.
وإذا كان النقد هو التشريح النقدي للنصوص السردية، أو نصوص أخرى تتوافق لغوياً مع اللغة وقواعدها كمصدر يتأسس على بينة منظومة دلالية قادرة على تركيب النصوص في نصِّ لغوي مسوغ لقدرة اللغة على التسرب بين طبقات التفكير المنطقي في إنتاج النص، فإن علم البلاغة في تطوره التأريخي الممتد في لغات العالم من اليونان إلى العربية ونظمها البلاغي ظلت تُشكِّل اللغة مصدراً للفكر والنقد، أو هي الفكر عينه -كما في مصادر اللغة والمنطق-، ومقوماً للبحث عن دلالات معبر عنها بألفاظ تؤدي إلى معانٍ تفكك الرموز الصوتية، ومن ثمّ تعيد مراجعتها فيما تشكلت فيه من شعر ونصوص تحوّل من المعطى اللغوي القابل للتشكل إلى تنصيصه نقداً.
وبما أن اللغة تحكمها وتتحكم بها نظم تمنحها قدرتها في التعبير اللغوي من بنى ومعانٍ كالألفاظ والمعاني وبينة مورفورلجية مقيدة كالنحو وحركات الكلمات داخل السياق اللفظي؛ مما يعطيها بعدها البلاغي ومكونها الشرطي للاقتراب من مفهوم الكلام أو الضم بقول البلاغي العربي عبدالقاهر الجرجاني، وعلى هذا السياق تطورت البلاغة كأداة كاشفة لمكنونات اللغة وإعادة مستمرة لصياغة المعنى وكشف دلالاته المتوارية باختلاف طرق التفكير، فالبيان سعي مركب لإجلاء أقصى طاقات اللغة في التفسير، فالنص المبين يشكل تحديا مستمرا للبعد البلاغي في المطابقة وحدود استعماله في ثنائية النظرية والتطبيق داخل انساق الواقع الديني والأدبي والفكري والجمالي.
ويظلُّ محاولة مستميته لإعادة فاعلية الاستواء اللفظي على الصورة التي تواضع عليها النص اللغوي، أو نظم اللغة، فكان أن تشكل التراث النقدي على هيمنة وسلطة بيانية مهيمنة لقرون على مختلف ضروب الإنتاج الإبداعي العربي البلاغي والنتاجات الأخرى (الأجناس الأدبية) لما كان منها سائداً ومستمراً كالشعر وموازناته النقدية قديماً، كالآمدي في موازنته بين شعر أبي تمام والبحتري. وتوغلت البلاغة (البيان) بعمق في اللغة العربية حتى عدّ النص البياني إعجازاً كلما بلغ النص أو التعبير مدى يقف عنده التفكير اللغوي موقفاً يتفاوت بين الحيرة والغرابة، وحيثما يزداد الأسلوب غموضاً يقترب من البلاغة وإعجاز البيان، وبهذا تكون البلاغة أداة البيان في الخطاب النقدي منذ اعتمادها كمقوم للخطابة واللغة إجمالاً، كما في المحاورات الفلسفية الإغريقية، ومن ثّم استخدام النقد في العصور التي ازدادت فيها الحاجة إلى إثبات أحقية النصوص في التمسك المطلق للحقيقة في تأويل النصوص الدينية.
نشر بجريدة الرياض تاريخ 14/02/2016 م
anassira@msn.com