الحرب الفكرية بالكلمات و”النيران الصديقة” .. بقلم: أحمد كمال الدين
18 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
اعتقد أن التوصيف الايديولوجي ذي الاشتقاق اللغوي الاسلامي للفئة السلطوية الحاكمة اليوم في السودان أمر غير مفيد بل هو ضار. لماذا؟
أولا:
لانه يعطي من اسباغ الانتماء اللفظي للإسلام غطاءً فكريا لصالح هذه الفئة السلطوية لا تستحقه، لانها بأفعالها خرجت عن قيم الاسلام التي هي الجوهر الحقيقي لاي انتماء مخلص للإسلام .. ولا يغير من هذا التصور شيئا استخدام كلمة (المتأسلم) أو (المتأسلمين)، أو (الإسلامويين)، بل يظل ذهن القارئ أو السامع متعلقا بالانتماء الاسلامي الذي يشكل واقعا بالغ التأثير في الفضاء السياسي السوداني لا يقتصر حتى على الإسلاميين (السلطويين منهم والمخلصين الوطنيين خارج السلطة) بل يشمل جزءا كبيرا جدا من الطائفية السياسية والسياسيين المستقلين، وربما جزءً ايضا من بعض التشكيلات العروبية ولا يخلو منها الا اليسار القصيّ فقط. لهذا فان التعبير الوصفي الايديولوجيَّ الاشتقاق يؤدي (من غير قصد) إلى إسباغ الانتمائية الواسعة غير المستحقة لهذه الفئة التي بما تفعله لا تمثل الاسلام ولا تمثل الإسلاميين من قريب أو بعيد. بل حتى عدديا فهم لا يتعدون عشر العدد الكلي للاسلاميين ان لم يكن أقل.
ثانيا:
هذا التوصيف الايديولوجي التركيب والاشتقاق وبصوره المختلفة (الإسلامويون – الاسلام السياسي – المتأسلمون) يتجاوز (الفئة) او الكيان المعني بالوصف المستخدم إلى العقيدة أو الفكرة الاساسية والتاريخية، حتى وان لم يكن ذلك مقصودا، لان هذا من خصائص اللغة وتأثيراتها وفنون الخطاب. ولذلك ولدت هذه التوصيفات في قلب الفسطاط الفكري المناوئ لفسطاط الاسلام (وليس الإسلاميين فحسب)، ثم عمد أولئك الى الترويج لها فحملت معها العداء الفكري الجوهري للإسلام في الحياة العامة جنبا لجنب مع العداء السياسي الموجه للفئة السلطوية المحددة.
ثالثا:
هذا التوصيف الايديولوجي المرجع والاشتقاق يضلل السامع والقارئ فيجعله يعتقد أن السلطوية والطاغوتية والدكتاتورية وغير ذلك من صور الظلم والجبروت السياسي إنما هي حكر على (الإسلاميين) / (الإسلامويين) / (المتأسلمين) فقط دون سواهم من السياسيين بألوانهم واطيافهم المتنوعة، وهذا بالطبع خطأ وان كان مقصودا من قبل اليسار القصيِّ أو العلمانية الاقصائية، أي التي تتعمد إقصاء الدين تماما من الحياة العامة حتى في بلاد المسلمين. وهذا الخطأ يرسم صورة غير واقعية وهي أنه بفرض اختفاء الإسلاميين تماما من المسرح السياسي ستتحول البلاد الى جنة سياسية خالية من السلطوية و الجبروت و الظلم وهو غير صحيح بالطبع.
رابعا وأخيرا (وليس آخرا أبدا) سيكون الأثر العملي لهذا التوصيف هو تعطيل أي فرصة لتوحيد العمل المشترك بين عناصر الصفوة أو النخبة المثقفة السودانية في اتجاه التغيير والديمقراطية والحريّة والكرامة للشعب السوداني، و ذلك بسبب التشويش الضار الذي يحدثه التوصيف الايديولوجي في الخطاب السياسي العام. ويظهر الحجم الحقيقي لهذا الضرر بالنظر إلى حجم الوجود النوعي للإسلام بين ظهراني المجتمع السياسي السوداني، والذي لولاه لما تمكنت السلطوية من هذه الاستدامة التي زادت من حيث مدتها على ربع القرن في سدة الحكم في السودان. وما كان لأي دعوى اخرى أن تبقى طوال هذا الوقت في السودان برغم كل الظلم والدماء، سواء كانت هذه الدعوى طائفية أو يسارية أو علمانية، لا لسبب الا للارتباط الثقافي بين الشعب والإسلام بوجه عام.