صباح إستثنائي .. بقلم: وجدي كامل


ذلك كان صباحا إستثنائيا من الرعب. خرجت ومعي بن جيراننا عاصم  احمد كروم من بيوتنا بالمزاد ببحري إلي جهة قضيب السكة حديد الذي تابعناه بإتجاه كوبري الخرطوم بحري .
 عند وصولنا مدخل الكوبري رأينا أعدادا من الراجلين العائدين بعد فشل محاولتهم للتسلل عبر قناة المشاة إلي الخرطوم.
 إصراري وعاصم جعلنا نغافل عساكر الحماية وننزلق في لحظة إنشغالهم بزجر البعض ومتابعتهم .
 نزلنا من السلم الذي يؤدي إلي شارع النيل – الشارع الخلفي للجامعة وبدأنا في المشي أماما ترصدا لما يجري، وإندفاعا لمشاهدة الحقيقة  حتي كان الفخ النوعي الكبير لنا ونحن في فراندة فندق صحاري حيث جاورت الساعة حوالي التاسعة او العاشرة صباحا.
 بعد قليل  بدأ الرصاص يتساقط علي الحوائط والأعمدة .
 صرنا نحتمي بكل شي بدأ وقتها متاحا. وتقدمنا بأتجاه الخرطوم وسط بصعوبة ووسط اأخطار عديدة حيث كنا نسمع دوي الرصاص ونري الجثث علي الطرقات وهي تنزف او تتعفن   او يتطاير الرصاص وقد أصاب الأجسام المختلفة التي من أمامنا.
عندما وصلنا شارع الحوادث قررنا ان نعبر للخرطوم 2 عبر المستشفي مستشفي الخرطوم. مررنا أولا عبر المشرحة فكانت الروائح الكريهة للأجسام المتعفنة تملا المكان وقفزنا إلي داخل المستشفي .
 إرتحنا قليلا في إمتزاج واختلاط  مع المرضي ثم عبرنا الشارع في إتجاه الخرطوم 2 نقصد منزل خالة عاصم – فاطمة المتزوجة من تميم الدار والد عبد الوهاب وعبد المنعم ود. عمر و محمود و عثمان تميم  والنقيب وقتها عبد الحميد تمي الذي شاءت الأقدار ان يكون حرسا شخصيا لمحمد نور سعد  عندما كان بالحبس .
وصلنا إلي المركز الثقافي السوفيتي ( وقتها ) وكانت ثمة مساحة رملية أمامه.  وقبل التفكير في الجلوس واخذ قسط من الراحة بدأ سيل الرصاص ينهمر مرة أخري  من إتجاهات عدة فكنا نري زجاج سيارة وقد تهشم وطلقة قد ثقبت جدار المركز وماهي إلا  دقائق حتي وصلنا البيت وسط دهشة وإستغراب أهله وخاصة المرحومة حاجة فاطمة وإبنتها خدوج أطال الله أيامها.
 ثلاثة أيام قضيناها بعد ان إتصلنا هاتفيا ببحري وأبلغناهم بما جري لنا .
تلك كانت احداث صبيحة ٢ يوليو ١٩٧٦ أو ما أسماها إعلام النميري بحركة المرتزقة وراح ضحيتها أعداد ضخمة من الناس وخاصة من جنود الجبهة الوطنية التي لم نسمع حتي يومنا هذا عن تمجيد ولو رمزي أقامته لهم او لقائدها العميد الشهيد محمد نور سعد.
السؤال وبعد كل تلك السنوات : هل لو قدر النجاح للحركة وإستلام السلطة من النميري– هل  ليتنازل الراحل الشهيد العميد محمد نور سعد لقادة الجبهة الوطنية  المكونة كانت من حزب الامة والإتحاديين وحركة الأخوان المسلمين ( آنذاك ) بقيادة الترابي من السلطة ويعود إلي بيته أو إلي ألمانيا التي كان قد اتي منها؟ أم ان مجري العلاقة كان سيتخذ  شكلا مختلفا ويستبدل ديكتاتورا بديكتاتور ؟ أم ان الامر مع محمد نور سعد كانت له حسابات أخري ربما كانت وتظل في علم السيد الصادق المهدي وتقديراته فقط؟.
في ذهني ما خطه شوقي بدري عن عمق التهميش الذي وجدته أسرة الشهيد وعدم التقدير الذي كنته له تلك القوي التي سرعان ما كانت قد دخلت في مصالحة وطنية و ذابت في تنظيم الإتحاد الإشتراكي بدرجة من التكبر والغرور الغامضين بينما ضاع دم قائد العملية سدي بالرغم من ان جسارته وتضحيته مع الجنود والضباط القتلي هي التي زادت من نقاط وقوع المصالحة البائسة.

AbdelSieedW@aljazeera.net

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً