ورحل العميد .. بقلم: السفير موسس أكول
6 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
50 زيارة
moses.akol39@yahoo.com
(١)
لم يقترن اسمه قط بصفات مثل التردُدُ والتخاذُل، وذلك لانه كان قنّاصٌ ماهر يختار صيدَه في الغابة المجاورة بثقة يُحسد عليها. ولانه تولى مهام رعاية مواشي الاُسرة ليلاً ونهاراً منذ نعومة أظافِره، لم يعرف التقاعس عن المسؤولية. لذلك كان يهب دائماً لإنجاز ما يجب إنجازه بدون تردُد او دون إنتظار مساهمات اخوانه أو نظرائه. وبما أنه ورِث جينات العمل الجماعي من أبيه، ادرك الرجلُ مبكراً أن العمل الجماعي يُولَد من شرارة ومن مبادرة يتيمة ثم ينطلق بجهد فردي حتى ينتشر سريعاً كالنار في الهشيم. وعندما تطوع ذات يوماً للعمل بدون مقابل مادي بعيادة قريتنا الصغيرة الوادعة على ضفاف النيل، لم يخطر ببال الشاب بأنه سوف يقضي أكثر من أربعين سنة من عمره ممرضاً ثم مساعداً طبياً يداوي الناس في مختلف انحاء البلاد كما فعل والده من قبل. لا غرو إذاً أن الرجل لم يتردَد برهة قط في تولي المسؤولية الكبرى حينما آلت إليه عِمادة الاسرة بعد رحيل عمه، إذ سرعان ما انتقل من رب لأسرته الصغيرة الى دوره المفاجئ كعميد لاُسرة في منزلة الاُسر العريقة والكُبرى في المنطقة. وشق العميدُ عُباب البحر بسفينة الاُسرة لمدة أربع عشرة سنة وسط عواصف سياسية هائجة وأمواج اجتماعية عاتية لا يمكن أن يتجاوزها الى بر الأمان إلا رُبان ماهر يحمل في جعبته قدر كبير من حنكة ملاح عجوز ويقظة صياد صبور وجرعات كبيرة من حسن الطالع.
(٢)
ولما سرتْ قشعريرةُ الموتِ السرمدي في جسدِ أخي العميد في صبيحة 22 فبراير 2016، وقفتُ كثيراً جوار فراشه الساكن، وترأت لي علامات الرضاء المصحوبة بالدهشة التي كانت تغمر وجهه كلما أدهشتنا روحه المرحة. ترأت لي ايضاً منظر القطعان الكثيرة من الاغنام وهي ترعى في أمان في المروج الخضراء التي تفصل بين قريتنا ((دوليب هل)) وغابة الهجليج ((اللالوب)) على حافة النيل العظيم. وترأت لي أيضاً منظر قطعان الابقار الكثيرة التي وقفتْ منتشية بالنسيم العليل عند المغيب في الساحة الفسيحة أمام شجرات الدوليب الثلاث ((تُوق أكيجي)) عند منعطف نهر السوباط.
تمنيت كثيراً، وأنا اقف بجوار سريره الذي طوْقه الصمتُ المميت، لو ورِث العميدُ الصبرَ أيضاً من أبيه الذي قهر الصبر وهو على الفراش الأبيض ولم يرحل الى مثوائه الأخير إلا بعد أن وصل آخر أبناءه الى حافة سرير موته. وترأت لي الابتسامة الوهنة التي ارتسمت على وجه أبي وهو يشد على يدي بما اوتي من قوة وعلامات الرضاء تبعث من عينيه العميقتين. لمعت عينا أبي ببريق خافت لم أشك برهة أنها الومضات الاخيرة لبرق يلوح بالوداع بعد غيث مدرار ويرحل فوق افق بعيد. وبعد ايام قليلة، رحل أبي، وكم مازلت الى يومنا هذا أشكر حظي الذي قدر لي ان أسافر من سهول إثيوبيا الى مدينة ملكال لكي أتسرب الى تاريخ الاسرة كآخر مَنْ وصل الى جوار الوالد قبل رحيله. لكن فوق هذا وذاك، مانفك لسان حالي يكيل بالشكر لأبي إذ صبر في أهلك الأوقات ليمنحني فرصة الوداع الاخير قبل ان يرحل الى الآخرة.
(٣)
بينما كنت أقف واجماً بجوار اخي العميد الذي تسرب دفئ الحياة من جسده الى جوار بعيد، تمنيت لو إنتطر العميد وصول أخي (( الشيخ جون)) واُسرته من الخرطوم قبل أن يرحل بهدؤ كنسيم الصباح. ليته انتطر وصول اختي ((آن)) من واو قبل ان يرحل كالخريف بعد فصل ماطر. كم تمنيت حينها لو إنتظر اخي العميد وصول اخواتي ((نابانق)) و((بشاي)) من كوستي وسوبا، لكن العميد رحل في هدوء كالقمر، مُخلِفاً وراءه ظلام دامس ورعشة في الجسد. ليته انتظر وصول إبنه ((الفريد)) وأسرته من الخرطوم قبل أن يرحل ويتوارى كالنورس عند البكور.
ليت اخي العميد تمهل قليلاً لكي نحكي له بعض الحكايات الكثيرة التي كان يضحكنا بها حتى ساعات متأخرة من ليالي القرية الهادئة، وكثيرة هي المسرحيات التي كان أخي يألفها بدون جهد وينتجها في لمحة البرق وينفذها بدون كمبارس.
ليت العميد انتظر قليلاً لنعيد الى ذاكرته تمثيليته الشهيرة التي أدخلتْ الرعب في قلوبنا في ليلة حفها ظلام دامس، وذلك عندما خرج الرجل من بين قصب الذرة الشامية وقد عض بحذر شديد على قطعة كبيرة من الفحم حيث بدا الطرف المحترق من الفحم كأنه لهيب يبعث من بين فكي حيوان مفترس. طفق الرجل يقلد حيوان مفترس يخطو نحونا خلسةً بينما نحن غارقون في الإستماع بشغف لقصة مرعبة كانت تسردها لنا إحدى الاُمهات. وفجأةً وثب الرجل نحو حلقة السمر والشرارة تتطاير من فمه! هربنا زعراً والشك لا يخالجنا بأن نفر من الحيوانات المفترسة التي تجوب المنطقة في فصل الخريف قد اشتاق لوجبة بشرية وقد عقد العزم ان تكون وجبته في قريتنا في تلك الليلة الظلماء. لم ترجع الطمانينة الى قلوبنا المزعورة إلا بعد أن اطلق الرجل ضحكته المجلجلة.
(٤)
ليت اخي العميد تريث قليلاً لكي نعّبِر له عن سعادتِنا عندما كنا أطفال يُفعان نمسك بطرف لباسه التقليدي ((لاو)) و نحن نسير، بل نجري، في ركبه وهو متأبط بندقية والدي ونحن في طريقنا لصيد الطيور في الغابة المجاورة. كم تمنيت لو انتظر العميد قليلا لنشكره على إنسانيته لأنه ظل إنساناً يخطئ ويصيب، لكن العميد مضى مسرعاً كالنهر ليروي عطش ظمآن آخر. مضى سريعاً ليروي الأرض ماءاً لينبُت الأرض بستاناً.
أخذتْ عصافير الخيال تحوم في مخيلتي وأنا اُشاهِد الموكب المهيب الذي عبر جسر جوبا من مقابر ((قومبا)) الى الضفة الغربية من النهر الخالد في ذاك اليوم الحزين، وتمنيتُ كثيراً لو تريث العميدُ قليلاً ليفصح لهذا الجمع الغفيرعن سر ولعِه الشديد بالدعابة والمباغتة الطريفة والنشوة العجيبة التي يستمدها من الدهشة التي تصيب الاخرين، لكن العميد مضى سريعاً متأبطاً سِره. والآن، وبعد أربعين يوماً منذ رحيله، نجد السلوى في ان أخي جون اُنوار أكول أجاوين، عميد الأسرة، مضى كالنهر العظيم الذي يمضي ولا ينضب لأنه يمضي ولا يمضي ولا يفارق شطئيه مهما مضى. إذاً، رحل العميدُ ومَنْ ذا يستطيع أن يُوقِف نهراً جَوّاداً يتدفّق ويجِف احياناً من أجِل سعادة الآخرين ؟