انقذوا القطار الاخير: أو توظيف الكتابة الشعرية عند أكول ميان .. بقلم: أتيم سايمون
11 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
94 زيارة
لم تعد وظيفة المبدع اليوم محصورة في ماينتجه من عمل ابداعي يضاهي به منتوج الاخرين في ساحة الفعل الثقافي المفتوحة علي إمتداد الكون الفسيح ، وانما تعدت بالضرورة جميع تلك الاطر الكلاسيكية المبذولة الي مستوي جديد من التعاطي مع كل ماهو إنساني في تكامله مع بقية الادوار الاخري المفضية الي استمرار الحياة في شكلها الجمالي وفق التعابير الناتجة عن حقيقة الوجود وتمثلاته المتجددة ، فالمثقف جُبِلَ ليتولي عبء أعادة الشكل الظاهري للوجود الي ماكان عليه قبل ان تكون اللغة ، القصيدة ، اللوحة ، وصولا الي مرحلة مابعد البهاء .
مامعني أن تكون شاعرا ؟ .. سؤال بديهي ، فقط تظل تنقصه الاجابات المتحزلقة و التي لاتزال قيد إنتظارها ، فتجاوز تلك المحطات يقتضي في كل الأحوال الانتقال الي طور جديد ومقبل ، هو طور الفكرة التي لم تتولد بعد ، وهنا لاتكفي ان تكون القصيدة وحدها المعبر عن تلك الفكرة قبل ثورتها في جيشان المكبوت من الانفعال و العاطفة ، فقد كان من الارجح البحث عن اجابة للسؤال ، كيف تكشفت شاعرية الشاعر ، وكيف إتسقت مع الذات الفطرية إبتداء ولم إنمازت عنها انتهاء .
ربما وجد بعضا من تلكم الاستفهامات وفيوضها، مقابلاتها عند جمهرة من الشعراء الذين إرتأوا أن الكتابة وحدها قد لاتف باغراض ورسالة و نظرية الشاعر أو نظرته في تحقيق معاني القول و مضامين الرسالة الشعرية دون المشاركة في انزال فحواها الي واقع يمشي بين الناس ، فالانحياز للخير سمة الشعراء في معظم احوالهم مثله مثل التغني بالسلام ونشدان الاستقرار الكوني ، يقول محمود درويش في قصيدته “عن الشعر”:
قصائدنا بلا لون
بلا طعم بلا صوت
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت
و إن لم يفهم البسطا معانيها
فأولى أن نذريها
و نخلد نحن للصمت
يعد الشاعر و الكاتب الجنوب سوداني أكول ميان كوال – المولود في منطقة ابيي سنة 1974 صدر له في نيروبي كتاب (سوف تشرق الشمس- (The Sun Will Be Rrising) )، وكتاب (القطار الأخير- (The Last Train))- يعد واحدا من القلائل الذين تجشموا عبء السؤال الجرئ حول ماهية الدور المتجاوز للشاعر في واقع الحياة اليومية ، إنشغالاتها و الصراع المتولد من عمق إتجاهاته ، فمنذ وقت ليس بالقصير اختار ميان منهجا يقتضي المواءمة مابين كتابة نصه الشعري وملاحقته علي أرض الواقع الشائك من خلال جهوده التي ابتدرها في البحث عن ومناصرة قضية السلام في جنوب السودان اثر الازمة السياسية الاخيرة التي المت به و القت بتاثيرات كارثية علي كل شئ تقريبا وعمقت الجراح قبل ان تندمل .
أطلق ميان اسم اخر دواوينه ” القطار الاخير” علي حملته الرامية للبحث عن السلام في بلاده التي كان يحلم برؤيتها آمنة ومزدهرة ، ولان الاحلام لاتبني وطنا ، فان التشبث بالامل وزرع بذوره بين الناس هي مهمة الانسان الشاعر المنحاز للحياة بصورة هادئة ومنسابة ، يقول اكول في قصيدته القطار الأخير :
دعونا ننقذ حياة الركاب المتبقين
فإن أصدقاء، وأخوات، وأقارب الأرض
ينتظروننا ..
ثمة شيء يكفينا جميعاً في الانتظارنا
بالرغم أعدادنا، ومختلف الأعمار
خلفياتنا .. ثمة شيء يكفي
لكلٍ مِنّا ..
ولان اكول ميان ظل مؤمنا بان السلام لا يشعر به اولا يعرف قيمته النفسية والروحية والاجتماعية والمادية إلا من عاش ويلات الحرب وقذاراتها ، و ان السلم والسلام هو شرط وضرورة قصوى وركيزة أساسية لأي تطور وازدهار ونماء ورقي إنساني في جميع جوانبه المادية والأخلاقية ، بادر بمواصلة مشوار البحث عن السلام وتنبيه الجميع بان لاجدوي من الحرب التي عشنا ويلاتها واكتوينا بها دهرا من الزمان وخلقت حالة من الاغتراب الاجتماعي النفسي لعديد من الاجيال في جنوب السودان ، لذلك تجده يدعوا الي نبذ القتال ووقف الحرب علي مستوي المسكونة اجمع في قصيدته “لتقف الحروب” التي يقول فيها:
كفى الاقتتال
والاحتراب يا شعوب العالم
ضعوا البنادق
اهدموا الخنادق
كفى سفك الدماء
هيا الى البناء
هيا الى البناء
هيا ..
وجدت دعوة أكول ميان صداها لدي العديد من أصدقاء الكلمة في الشتات ، المكتويين بجحيم الحروب وضحياها اليوميين فاعلنوا التحاقهم بالقطار الاخير ، رافعين شعارات الجملة علي صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ، من أمثال الشاعر الافرواكريكي ازكيا توري ، بروفسير خالد كودي استاذ الفنون بكلية بوسطون الجامعية بالولايات المتحدة الامريكية ، كما انضمت اعداد كبيرة من الشباب و المثقفين الناشطين من جنوب السودان الي حملة “انقذوا القطار الاخير”.
tmmabior@yahoo.com