في ذكرى جدي يرحمه الله والطَّاوُوسُ يُفَزِّعُهُ الْمَطَر! .. بقلم: غسان علي عثمان
1 يونيو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
ghassanworld@gmail.com
كان يختار من الكلمات أكثرها هدوءاً، كمن يطلب إذن للضوء لاكتماله بقليل. كان مزاحه ينتهي بضحكة خافتة توزع قسراً.. لكن بحب، أنه كمن يوفر هواءه الداخلي الخاص، والخاص جداً، يفعلها لنفسه، وبعض آخرين أظن أني كنت معهم، وفي مرات كثيرة كان أسمي هو المفضل لذائقته ملفوظاً بعناية وسط أحفاده الـ(10) كأنني كنت ذكراه المؤجلة، أو لوحة مخبأة من زمن متراخي الأطراف طالباً مهلة لمهلة، ومغلف بأتربة تتنازعها حميمية شتى، حقيقة لم أفهم السر في ذلك، سر حظوتي عند أجدادي، ففي صغري ما أنفكوا يسلطون عليّ أقسى أنواع التأديب بحق وبغيره، لكن تلك السلطة المعجونة بعنف مسبب، لم تصل يوماً حد الإيذاء، وهم ما إن يبلغوا قعودهم ينزعون أسلحتهم من التأبي حباً فيي، ويجرون عملية تبديل سريعة ومذهلة لصالح مودة مستثناة من دفتر الحب الأبوي غير المصطنع، لعله درس لم نذقه بعد، وقد يكون غير ذلك..
وفي تلك اللحظات التي جمعتنا كان يتلعثم بسرعة، وهو يرتدي هندامه البارد في جو يحرق الموز في موسمه، يحدثني دون النظر إلى عيني كأنه شبحه الصغير، يطلب مني خدمة صغيرة لكن نبرة صوته تشعرك بثقل الطلب.. لو سمحت أديني موية.. فكوب من الماء لا يستحق إلا إشارة عابرة، أما هو فقد كان الطلب طمعاً في نوع ممتاز من الإرضاء؛ إرضاء ذاته أولاً، وهذا الأدب المصنوع بمهارة سمة جيله، فهو من وطن كان رجاله ممن يمارسون طعن المساء بالسهر والأُنس. وكم كنت تجده يلملم أطراف الحروف صانعاً منها كلمات تعنيه أكثر، فعند كل مساء يتوسد سريره المطل على القبلة، يفعلها مجازاً لكنه يضمر أمراً ما.. أظنه كان يعتقد في غربته التي طالت في شرخ الشباب رغم أن الشيب لم يعرف طريقه أبداً إليه، لكن الشباب يظل دوماً ذكرة محترقة، وجدي حاله كالبحتري يقول: (شَرْخُ الشّبابِ أخو الصّبَا، وأليفُهُ،, والشَّيبُ تَزْجِيَةُ الهَوَى وَخُفُوفُهُ. وأرَاكَ تَعجَبُ مِنْ صَبَابَةِ مُغرَمٍ, أسْيَانَ طَالَ على الدّيارِ وُقُوفُهُ).. كان يحكي لي ولنفسه بصوت مملوء بالشغف الحزين أنه كان لاعباً نشيطاً للتنس، وكانت رياضة الخرطوميين المخمليين حينها، وكان هو بعد شبق بالحياة يمارسها دون وازع من شيء.
كان جدي رجل بلا مزاعم فقط تمشي تمشي.. كما نقول في دراجيتنا، ومع ذلك شغله الشاغل العودة باستمرار إلى ذكرياته الصاخبة عن مجتمع الخرطوم الستيني، نمرة 2 – قعدات أحمد المصطفى وهو يرفل في أناقة تعيش الضد والبيئة السودانية حينها، يغنيهم (الوسيم القلبي رادو).. وأحمد المصطفى يصح وصفه بالفنان الذي عمل على الارتفاع بالذوق والمكانة للمطرب السوداني. وجدي يحكي عن خرطوم بليل المتوسعة في الملذات، عن سان جيمس وقهوة أتنيّ (أظنها أثينا)، فعلاً كانت الخرطوم قطعة من ورق سقط من دفتر الأستاذ المقدس عند إنجليز اللوائح والنظم الإدارية، وسقط حينما هّم المستعمر بلملمة عدته (في إشارة إلى أغنية ذائعة الصيت تقول: يا غريب يلا لبلدك سوق معاك ولد ولملم عددك).. هي صورة مثبتة من مشهد انسحاب النظام الاجتماعي الاستعماري، الذي أصر أن يأتي بقضِّهِ الثمين إلى بلاد تموت من الحر أشجارها (الإشارة إلى قولة الطيب صالح، بلاد تموت من البرد حيتانها). فالخرطوم كانت بارهم ( من بار) الرخيص والمفضل، فالاستعماري في نهاره كله يدبج خطابات معالي الحاكم العام، وبقية نسله من المتطفلين المأخوذين بالدهشة المستمرة لهذا البازار الذي وجدوا أنفسهم في حلقة ذكره، ووسط عجائب سوقه ورواده من المجذومين والمتحلقين حول ممخرق يرقص وقرده السامبا تحت رحمة إيقاع هارب من الاستوائية المبدلة جينياً مسيحية لا يرغبون الجلوس على دكة كنائسها، وكان دينهم (أشباه المستعمرين) يحثهم على ترقية هؤلاء السود ولو كلف الأمر قتل نصفهم في كرري، قلت حين ينتهي الموظف الإنجليزي الحمش من عمله يسعى بلا همة إلى حيث التخلص منها!.
وكان مخمليو الستينيات من جيل جدي يفهمون من الحياة لذائذها، ما عناهم قط أن يفكروا في مادية فيورباخ، أو مقتل الإله على يد نيتشه، كانوا تُبّع بالمطلق لفرويد وهترشاته حول دين الجسد، وعقيدة المتعة، لكنهم فوق ذلك نالوا من المستعمر ثقته في التحديث، باعتباره خلاصاً فردياً، وبذا كان الحق في تصورهم كآلهة أرسطو والذي شبهها أحدهم (الإشارة هنا إلى ول ديورانت في موسوعته عن الفلاسفة..) بملك إنجلترا الذي يملك ولا يحكم.. ومن هنا كانت علمانيتهم المفتقرة للحس المنهجي والمكتفية بالرغائب – محل ما تلقى دوس- في دراجية تعني أن كل شيء لا يؤذي أحداً يملك جواز سفره الحلال..
الخرطوم وهي مهبط جدي ومرتعه كانت قد تقسمت حينها إلى يمين ويسار، ولكنهم أعني هو ورفاقه كانوا أصحاب منطق آخر، منطق ثلاثي، (كنيسة وجامع وبار، وملعب تنس كمان) يبدوا أنهم من دفع فاتورة النخبة المشغولة هناك في الطرف الآخر من البئر يتصارعون حول جدل الهوية وديموقراطية ويستمنستر، وحوار سيدي في بحري والبقعة وبري أيضاً، ففي الوقت الذي آلم السودانيون تفرقهم بين مناهج مسروقة من النظم السياسية وانخراطهم في نخاسة الأسواق – (بكرة ختمي بعدو أمة..أسي تدفع) كان هناك خرطوميون لا يعبأون بترهات النخب وسفسفطاتهم، إن ما عناهم أن يعينوا أنفسه ليحظوا بمعرفة عملية تكسبهم منفعة مستأنفة ولا وقت للخطابة أو تسميد الريق بالرنان من الوحشي في اللغة (كأن أحدهم يلقي خطاباً في عامه الثاني سودانياً مستقلاً، يقول ولما ران علينا المستعمر بكلاكله) وفي وقته بان للأمر كلاكل أخرى تزيد المتعة حضوراً، وتوفر البريق ليوم قادم.. وسهرة أطول طاقة..
هذا جيل جدي معاف من سوءات البنيان السوسيولوجي الذي كيّفه المستعمر لبيئة مُقفرة لكنها محتشدة بضمائر تنتاشها أوهام الحداثة والعصرنة. وهو بن ذلك التاريخ باشر حياته مثله وآخرين، وليس بالعبث وحده يحى الإنسان، فالعبث في أدق تجلياته معنى متعاظم لمسئولية الوجود، ظني به وجيله أنهم وجوديون بالفطرة، يسعون حثيثاً لإرضاء المنازع سياسة لتدبير الوقت، آه كم كان وقتهم مختلف، ولكنه مجنون أيضاً..
وأذكره تماماً مشغول بجريدة الأمس يقلب فيها ماضي يرفض أن ينهي صلته به، ويحكي لا أحد وإنما لذاكرته المرنة كيف مرت الأيام دون خاطره، وكيف اختفى شغف الشباب، وتوارى خلف التجاعيد الرابضة تحت العينين تتقاسم معها حدة النظر وقوة الملاحظة، والرجل لعله كان يظن أن من فقدوا في فتوته ذاهبون في رحلة قصيرة وهو غير مدعو لها البتة..إلى أن تدحرجت التلة تاركة أحجارها الصلبة بل قاعدة للانتظار..
في أخر لحظة شاهدته يتنفس بصعوبة ولا يعبأ بطلعات الأطباء وما كان لها أن تجبره على تركيب إيقاع منتظم للقلب، لم يكن يفتح عينيه لينظر من حوله، فقط للحظة أظنها أقل من الثانية نظر إلينا ورسم بخبثه الذكي شبه ابتسامة عابرة فوق الشفاه لكنه ترمز لغياب غير مؤلم، وحين علمت بخبره عدت بلا أحاسيس أتفقد سريره المغطى بالأبيض، وحملناه وتملكتني قوة بل لنقل رغبة في حضور وتحضير كل الطقوس من غسل وتكفين، وخرجت حاملاً (عنقريبه) على كتفي كمن يحمل جندياً مجهولاً لا صلة لي به لكنه يستحق التكريم وشرف العَلم، وفي المقابر ساهمت بعزم في حفر القبر أفعلها دون أدنى حزن، ظني أن جمودي وتجلدي حينها كان طبيعياً غير مصنوع، ماذا يعني فاليوم هو وغداً غيره أو أنا…
رحم الله جدي فقد كانت الشمس تطارده باستمرار كمن خلف موعده هناك، واعتكف بالرفض أن يذهب، يرحمك الله عزيزي..