كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله .. بقلم: ناجي شريف بابكر
28 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
إن القرآن لا يحول بيننا والتعايش مع الآخر (غير المعتدي)، ومن التوادد معه ومشاركته الطعام ومصاهرته.. ولا يمنعنا كذلك من التواضع معه علي الحد الأدني من العهد والأمان والتكافل.. “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.
ما يمنعنا هو الدين الموازي الذي خلقته النصوص المنقولة، والمجلدات المقدسة التي كتبها السابقون من علماء القرون الأولى، والتي جعلت من الآخر خصما ولو كان مسالما، ذلك من خلال إختلافه الديني أو الطائفي، بل العرقي أحيانا، قربا وبعدا من الدماء القرشية النبيلة. مع أن الآخر (بافتراض أننا على الصواب) هو من نزل الذكر، أي القرآن، لمخاطبته وتزكيته من الضلالة للهدي، حتي لا تتفلت منا نفسٌ إلي النار. فقد كان النبي يبعث عبدالله بن مسعود كي يتلو علي قريش القرآن من فوق غصون الأشجار، على قلتها، في وديان مكة القاحلة.. “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”، “وما كنا معذبين حتي نبعث رسولا”.. “يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا”..
الأجدر بالآخر المغاير أن يكون لنا رصيدا ثرا من الإنسانية، نتعمده بالتواصل وبناء جسور الثقة، وإذكاء قناديل الحقيقة وإفشاء الوعي وأسباب المعرفة، من خلال تباين الأفكار والأراء وتلاقحها.. بالتواصل والمجادلة بالحسنى، والمنطق السليم المستنير.. لا المنطق العدمي الظلامي، الذي يري في إزالة الآخر وإراقة دمه، خدمة جليلة لمملكة الرب، التي يرعاها ويسهر على حمايتها غلاظٌ متشددون، وفق تفويض وانتخاب إلهي..
كيف يتأتى للرجل ان يحمل بين جوانحه من قلبين في جوف واحد.. وكيف يتظاهر الأفظاظ المتشددون بالتوادد تجاه الآخر، في الأقطار التي يقصدونها ناشدين الخبز والأمان، كيف يتظاهرون بالتوادد والتعايش السلمي وهم لا يضمرون من الود ما يبدون. كيف تحتمل صدورهم الضيقة الحرجة، ذلك التناقض وتلك المداهنة.. مع ان الحقيقة ذات لون واحد.. منسجمة متناغمة، لا تتموَه بفعل الأطر الزمانية ولا المكانية.. إنما التناقض في أذهاننا وفي قلوبٍ أكل السواد أفئدتها..
لماذا يصبر المسلمون ويلزمون الصمت في بلاد المهجر التي تستضيفهم، على المتشددين وهم يتسللون في صفوفهم وبين ظهرانيهم، وهم يعلمونهم كما يعلمون أبناءهم، ويوقنون أنهم، أي المتشددين، يمثلون خطرا داهما ووشيكا علي مجتمع آواهم وناصرهم بكلياتهم، وأدار لهم ظهره آمنا ومؤتمنا. أيتوهمون أن التكتم علي إخوانهم في الدين ومداراتهم، أولى من الجهر بأسماء قتلة وسفاكي دماء محتملين، والتدليل علي أوكارهم وسلوكهم العدائي وخصومتهم الفاجرة..
ألا يعلمون أنهم بتكتمهم ذاك يخرقون عهدا وميثاقا، ويتنكرون وهم غير مبالين لمن أواهم وهم هائمون على وجوههم، وأعطاهم الأمان الذي افتقدوه بين أقوامهم وفي ديارهم التي فروا من بأسها، وأطعمهم، ثم استأمنهم بدوره على أهله ودياره وأطفاله وجيرانه.. حتي ليكاد أن يغدو شأنهم مع من آواهم ببلاد المهجر، كشأن مجير أمّ عامر :
بقرتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
وكنتَ لشاتنا ولدٌ ربيبُ
غُذيتَ بدَرِّها وربيتَ فينا
فمن أنباكَ إنّ أباكَ ذيبُ
لقد شاهدنا بأم أعيننا في وسائل الإعلام المرئية، كيف أن أسراً كاملةً، بمسنيها وأطفالها في هولندا وبلجيكا، قد أخلت ديارها طوعا، في ليالي الشتاء الباردة، كي تفسح المجال لأيواء النازحين من العرب الذين ضاقت بهم الملاجئ.. بل سمعنا كيف أن قِساً مسنا في نورماندي بفرنسا، لم تمهله نصال المتشددين الآثمة بالأمس القريب، كان يمنح في كنيسته الطعام والمأوى للنازحين من المسلمين، ويعمل علي مداراتهم من حملات الدهم ، من أولئك الذين لم يكتمل بعدُ توفيق أوضاعهم (les sans papiers).. مالكم كيف تحكمون.
ألا تعلمون أن الله قد أمركم بأن أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا، وأنه قد قال “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق”.. أيها المتشددون المنافقون.. أين نسيتم الله حينما ركبتم البحر، مثقلين بإحَنِكم وثأراتكم القديمة.. ووليتم وجوهكم شطر شواطئ المتوسط الشمالية ؟.
nagibabiker@hotmail.com