حفظ السلم والامن الدوليين بين مجلس الامن الدولى والجمعية العامة للامم المتحدة .. بقلم: ناجى احمد الصديق


najisd2013@hotmail.com

محام وباحث فى القضاء الجنائى الدولى والقانون الدولى الانسانى

وضع ميثاق الامم المتحدة نظاما دقيقا لفكرة الامن الجماعى من اجل الحفاظ على الامن والسلم الدوليين فى العالم ، وتقوم الفكرة الاساسية لذلك النظام على أن أمن الجزء يرتبط ارتباطا وثيقا بامن الكل ومن ثم فانه يتعين

على الكل ان يتصدى مجتمعا لاى عدوان يقع على اى جزء اى على اية دولة عضو فى الامم المتحدة ـ ويتميز هذا النظام من الناحية النظرية على اقل تقدير بتوفر جميع الاركان اللازمة لضمان فاعليته من مبادىء عامة مشتركة ومتفق عليها ومن استعداد لكافة الاعضاء لضمان الالتزام بتلك المبادئ ، كما قام ميثاق الامم المتحدة بجعل مجلس الامن الدولى الجهاز المسئول عن مراقبة مدى التزام الدول كافة بهذه المبادئ وتحديد المخالفين لها ، و منحه سلطات واسعة لاتخاذ مايراه مناسبا من اجراءت وتدابير لحل النزعات بطرق ودية او اتخاذ اجراءت عقابية تصل الى حد التدخل العسكرى فى حالة خروحهم عن الشرعية الدولية

كان من المفترض وبحسب مقومات نظام الامن الجماعى ان يقوم مجلس الامن الدولى بدوره كاملا فى حفظ السلم والامن الدوليين وذلك بالتصدى نيابة عن المجتمع الدولى لاية حالة تمثل تهديدا للسلم والامن الدوليين تقع فى اية دولة من الدول الاعضاء فى المنظمة كما كان يأمل واضعوا هذا النظام ، ولكن تم تقييد مجلس الامن الدولى فى قيامه بذلك الدور بوجوب توافر اجماع الدول الخمس الدائمة العضوية فى مجلس الامن على وجود الحالة التى تهدد السلم الامن الدوليين ، وذلك انه لا يمكن ان يقوم مجلس الامن الدولى باتخذ قرار فى اية حالة ما لم توافق عليه الدول الخمس الدائمة العضوية فى المجلس ، ولهذا فان انشاء نظام الامن الجماعى بالمعنى الوارد اعلاه لا يمكن تطبيقه عمليا داخل مناطق نفوذ ومصالح الدول ذات العضوية الدائمة فى المجلس اذ أن اى منها سيقوم باسقاط اى قرار صادر من المجلس بموجب حق الفيتو متى ما كان ذلك القرار يؤثر على مصالحها اويكون ضد اية دولة تقع فى مناطق نفوذها .

نتيجة لتلك الاصطفافات التى اوجدها نظام اتخاذ القرار داخل مجلس الامن ، ونتيجة لمل افرزته الحرب الباردة من تباين فى المصالح بين معسكرى التحالف المنشئ للامم المتحدة ، ظهرت نتائج حطيرة على نظام الامن الجماعى ، فقد تعذر استكمال آليات النظام نفسه لان لجنة اركان حرب المنصوص عليها فى المادة 47 من الميثاق كجهاز عسكرى مساعد لمجلس الامن لم تتمكن من الاتفاق على تشكيل جيش دولى يمكن استخدامه بواسطة مجلس الامن فى الحالاات التى تتطلبها دواعى التدخل المسلح مما ادى الى تجميد لجنة الاركان حرب نفسها وبذلك فقد مجلس الامن الزراع العسكرى الذى يمكنه من قمع العدوان ، ومن ناحية اخرى ظهر سوء استعمال الدول الخمس دائمة العضوية لحق النقض فى مجلس الامن مما ادى الى تحجيم دور مجلس الامن وتعطيله عن القيام بدوره فى حفظ السلم والامن الدوليين فى كثير من الحالات التى تتطلب تدخله ، ونتيجة لفشل نظام الامن الجماعى فى حسم العدوان الذى يقع على الدول الاعضاء فى المنظمة الدولية وذلك بتعطيل الآداة التى انيط بها القيام بذلك الامر وهو محلس الامن ، قامت الدول الكبرى دائمة العضوية بارتكاب العديد من جرائم العدوان ضد الدول الاخرى ، فعلى سبيل المثال تدخل الاتحاد السوفيتى فى المجر عام 1956م وفى تشيكوسلفاكيا عام 1968 ،والعدوان الثلاثى على مصر عام 1956م ، والاعتداء العسكرى الذى قامت به الصين على فيتنام 1979م ، وهى حالات فشل فيها مجلس الامن من اتخاذ اى اجراء ضد اى من تلك الدول نتيجة للاستخدام المفرط لحق القيتو داخل المجلس ، الى جانب ذلك فقد اكدت الممارسة العملية ان الولايات المتحدة كانت الدولة الاكثر خروجا على الشرعية الدولية بسبب تعطل نظام الامن الجماعى فقد تدخلت عسكريا فى غواتيمالا 1954م وفى كوبا 1961 وفى الدومنيك 1965م وفى فيتنام 1962 الى 1973م وكانت كلها حالات استخدم فى حق النقض لابطال قرارت مجلس الامن الدولى

نتيجة للفشل الذى لازم مجلس الامن الدولى فى حفظ السلم والامن الدوليين فى القيام بدوره فى حفظ الامن والسلم الدوليين، ظهر تعاظم دور الجمعية العامة الامم المتحدة كواحدة من اجهزة المنظمة الدولية وذلك بتقديمها لتفسير واسع لسلطاتها الواردة فى المواد 11 /12 من المياق مما ادى الى تزايد دورها فى حفظ السلم والامن الدوليين ، وقامت بموجب تلك المواد بالتدخل مباشرة لحفظ السلم والامن الدوليين فى بعض الحالات التى عجز مجلس الامن فيها وكانت اولى تلك الحلات هى الاذمة الكورية فى عام 1950 ففى تلك الاذمة فشل مجلس الامن فى اتخاذ اي قرار يؤدى الى تسوية فى تلك الاذمة التى كانت ما تزال مشتعلة وتهدد بحرب عامية ثالثة خاصة بعد مشاركة الصين الشعبية فيها.

قامت الجمعية العامة للامم المتحدة وبموجب سلطاتها الممنوحة لها بالتدخل مباشرة فى حالة وجود ما يهدد الامن والسلم الدوليين استنادا على قرارها رقم 377/5 الصادر فى 3-نوفمبر 1950م والذى عرف باسم (الاتحاد من اجل السلام) والذى جاء بناءا على اقتراح المندوب الامريكى (Dean Acheson) ، وقد جاء فى الفقرة الاولى من ذلك القرار انه فى حالة تهديد السلم او الاخلال به او وقوع عمل من اعمال العدوان وعجز مجلس الامن عن مواجهته بسبب تضارب آراء الدول الكبرى وعدم اجماعهم على رأى معين فانه يمكن فى هذه الحالة عرض المسألة على الجمعية العامة لمناقشتها واصدار التوصيات الازمة للدول الاعضاء لاتخاذ تدابير قمع جماعية بينما اوصت الفقرة (ب) من القرار الدول الاعضاء بالاحتفاظ بعدد مدرب ومنظم من القوات المسلحة يمكن استخدامها وقت الحاجة وفقا للنظم الدستزرية لتلك الدول .

وبالرغم مما اثاره هذا القرار من جدل فقهى حول سلطات الجمعية العامة فيما يتعلق بالامن والسلم الدوليين الا ان معظم الدول قد وافقت عليه ، كما ان مجلس الامن فى حد ذاته طلب من الجمعية العامة تطبيق قرار الاتحاد من اجل السلام فى كثير من الحالات التى عجز فيها من اتخاذ قرار بشأنها مثل اذمتى السويس والكنغو ، والنزاع بين الهند وباكستان حول اقليم كشمير ، والوضع فى الاراضى العربية المحتلة . اذن فقد اصبح للجمعية العامة للامم المتحدة بصدور ذلك القرار ان تتدخل لفض اى نزاع متى ما كان مهددا للسلم الدولى وفى سبيل ذلك انشأت ما يسمى (بالجمعية المصغرة ) لمساعدتها فى أداء وظائفها الجديدة وذلك استنادا على المادة 22 من ميثاق الامم المتحدة والتى نخول للجمعية العامة انشاء فروع ثانوية تراها ضرورية للقيام بوظائفها .

بالرغم من صدور قرار الاتحاد من السلام وظهور الجمعية العامة للامم المتحدة كبديل لنظام الامن الجماعى الذى يمثله مجلس الامن فى اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على السلم والامن الدوليين الا ان الممارسة العملية اثبتت عدم قدرة الجمعية العامة على القيام بتلك المهام وذلك ان كل القرارات التى قامت باتخاذها فى هذا الشأن تميزت بعدم الفاعلية حتى جاء عام 1956م وكشف بصورة جلية عدم قدرة الجمعية العامة فى حفظ الاسلم والامن الدوليين وفشل النظام البديل للامن الجماعى الذى كان يمثله مجلس الامن الدولى ، ففى ذلك العام وقع اعتداءان على دولتين من الدول الاعضاء فى الامم المتحدة : الاول ارتكبه الاتحاد السوفيتى ودول مجكموعة حلف وارسو ضد المجر والثانى ارتكبته كل من فرنسا واسرائيل وبرطانيا ضد مصر ، واظهرت نتئج قرارات الجمعية العامة تناقض دورها فى حسم تلك الاعتداءت ، ففى الوقت الذى فشلت فيه المعية العامة تنفيذ قرارها ضد الاتحاد السوفيتى استطاعت ولاول مرة فى تاريخها تنفيذ قرارها بشأن الاعتداء على مصر وتمكنت من تشكيل قوات طوارىء دولية لمراقبة وقف اطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية ، فهذا التناقض يعكس مدى تضارب المصالح السياسية بين دول العالم الكبرى كما انه يوضح بجلاء عمق الهوة بين النصوص النظرية الموجودة فى قرار الاتحاد من اجل السلام وبين مواضعات الواقع الدولى الموجود على الارض ففى حين رفض الاتحاد السوفيتى مجرد استقبال لجنة تقصى الحقائق التى شكلتها الجمعية العامة لم تتستطع الجمعية بكل السلطات الممنوحة لها بموجب الميثاق او العرف الدولى الا ان تصدر ندات ورجاءت لم يعرها الاتحاد السوفيتى اى اهتمام ، بالرغم من ان الجمعية العامة قد تصدت للعديد من الحالات التى تشكل تهديدا للسلم والامن الدوليين ومن بينها قضية الجدار العازل التى تقيمه اسرائيل على الاراضى الفلسطينية المحتلة الا انها فشلت فى اجبار الدول المعتدية فى معظم تلك الحالات للامتثال الى قراراتها ، وبهذا يمكن القول ان النظام البديل للامن الجماعى الذى قننته الممارسة واضفت عليه قوة العرف المعدل للميثاق قد فشل فى القيام بهامه ، وهكذا عاد الامر مجددا الى مجلس الامن الدولى ليكون هو الجهاز الوحيد الذى يجوز له اصدار القرار وتنفيذه فيما يتعلق بحفظ الامن والسلم لدولى ، وعاد مرة اخرى نظام الامن الجماعى بكل ما فيه من عيوب ، يسيطر على مجريات الاحداث فى العالم ويوجهها الى حيث يريد اعضاءه الكبار

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً