مابين عشر المهدي ومكسيم كتشنر يبقى التاريخ شاهداً .. بقلم: د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

هذه المداخلة تنبع من حقيقة مهمة تذهب الى ان للجميع الحق في النظر للتاريخ وفق ما يرونه او وفق ما توفره لهم ( معطياتهم ) أو ( أدواتهم ) لقرءاته ، ولكن ليس في استطاعة أحد أن يغير من حوادثه ووقائعه .

وما بين هذا وذاك ، يبقى عشر المهدي ومكسيم كتشنر شاهداً على التاريخ ، لا يغيره رأي أو محاججة .
النتيجة التي اطلقها البروفسيور حسن مكي مؤخراً في لقاء صحفي في معرض مقارنته المجحفة ( في نظري ) فيها خلط واضح بينها وبين مقدماتها .
واذا نسي البروف نذكره من باب أن الذكرى كثيراً ما تكون نافعة ان لم يقابلها تعنت وتمسك بالرأي .
في مقاله المنشور في موقع (منارات افريقية) الإلكتروني بتاريخ 29/07/2010 على هذا الرابط http://www.islam4africa.net/ar/more.php?cat_id=15&art_id=56 بعنوان : التجويف في عالم البرزخ – مابين المهدي وكتشنر . ذكر البروف ما يلي : ( لعلني سرقت فكرة هذه المقالة ، من المفكر الإسلامي محمد إقبال ، الذي تخيل لقاء في البرزخ مابين روح كتشنر ، الغارقة في الظلمات وروح المهدي المتوثبة للإصلاح . برز الإمام محمد احمد المهدي وسط مظلومي السودان ومكلوميهم ، الذين عانوا من ظلمات حكم الجاهلية وقسوة البطش والاسترقاق والضرائب ، حتي اصبحوا كل سوداني ، مهدي كامن ، لايمنعه من اعلان مهديته إلا إحساسه بأن هناك من هو أكثر تاهيلا وامكانيات للتصدي لهذه المسئولية طلبا للاستقامة والإصلاح – فكان المهدي . ثم كان كتشنر بحديده وقضيضه ، وإن كان كتشنر قد صب جام غضبه وسخطه وحقده علي جسم المهدي . انتهى كلام البروف .
السؤال الذي يفرض نفسه ما الذي تغير ؟ قطعاً التاريخ لن يتغير . ولكن تغيرت عدسة رؤية البروف ، أو أنه اطلق تلك النتيجة تحت ضغط الحوار المتأثر بالجو النفسي الذي اجري فيه ، أو متأثراً بتحولات في قناعات البروف الرافضة والمحتجة على كل ما حوله ، مآلاً لظروف خاصة به .
وتناولي لما جاء في افادة البروفسيور حسن مكي لن يكون رداً أو تفنيداً لها ، بل سيأتي من باب ابراز الإشكالات التي اثارتها تلك الإفادات عند الخوض في دراسة تاريخ وسيرة الامام المهدي .
الإشكال الأول : هو الإشكال الذي يقع فيه الكثير من الكتاب والمحللين حيث يبرز ذلك في إسقاط معايير الواقع على التاريخ ومحاكمته بناء عليها . فالحكم على التاريخ بمعايير الواقع فيه إجحاف وظلم ومجافاة للعلمية . لذلك يجب أن نقوم بالنظر إلى كل ما هو مرتبط بهذا بالتاريخ من خلال الحكم عليه بمعايير زمنه وظروفه ومعطياته .
الإشكال الثاني : المرتبط بمنهج الدراسات التي تناولت المهدي ، حيث جاءت الدراسات : إما وفقا لمنهج هجومي حاول الطعن في مصداقية المهدي وذلك بنفي صفة المهدية عنه وبذلك تسقط كل دعواه وما أنبنى عليها . أو جاءت في اطار منهج دفاعي حاول إثبات صفة المهدية عليه حتى تكون سنداً قوياً لتبرير نجاحاته ، وتفرض قدسية على كل تصرفاته وافعاله .
ولكن كلا المنهجين أضرا بسيرة ذلك الرجل حيث انصرف الباحثون عن دراسة شخصية المهدي وركزوا جل اهتمامهم بالمهدية وأسانيدها وشروطها ومدى انطباقها على الرجل . ولم تفرد دراسات لتناول مقدراته الذاتية في تحريك وقيادة الثورة واحتوائه لكل العوامل والظروف وإعادة إنتاجها بصورة تبرز قدراته الذاتية والشخصية وتفجيرها بما حقق له النجاحات ( الشاهدة تاريخاً ) .
الإشكال الثالث : هو ذلك المرتبط بتحول الإمام المهدي من رمز ( وطني ) إلى رمز ( سياسي ) – في الماضي وفي الوقت الحاضر . في الماضي ، يظهر ذلك في أمرين : الأول : ان المهدي كان قائداً لثورة قامت ضد المستعمر ومصالح الجماعات المرتبطة بذلك الاستعمار ولهذا كان من الطبيعي قيام دعاية مضادة له جعلت منه مركزاً لهجوم العلماء واختلاف الناس عليه . اما الثاني : صار المهدي رمزاً سياسياً لما عرف بابناء البحر وفق التقسيمة الجهوية الضيقة للصراع الداخلي الذي حدث بعد وفاته . أما في الحاضر صار المهدي رمزاً لطائفة الأنصار وحزب الأمة .
الإشكال الرابع : الإشكال المرتبط بتقييم شخصية المهدي وفقاً للترتيبات السياسية والتحولات التي صاحبت الدولة بمعنى أنها تقفز مباشرة إلى تناول الدولة التي قامت كنتيجة لإنتصار الثورة على اعتبار انها محصلة نهائية حقيقية لمبادئ الثورة وقائدها . وتناولها مع كل الخلاف في التحليل والتقدير والنتائج النهائية يغفل دور هذا القائد لأنها عند التحليل تستبعد دوره أو بالأحرى لا يكون هو محلاً للدراسة لغيابه عنها
mohwathig@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً