الحُرمة فشّلتنا الله يفشّلها .. .. بقلم: د. بشير محمد/ أمريكـــا
11 نوفمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
47 زيارة
حتي عام ٢٠٠٧ كنتُ أعمل في مستشفي في مكة المكرمة وكان يديره جراحٌ سعوديٌ إسمه (خالد) ولم يكن محبوباً لأحد أبداً.. المهم سرت إشاعة قوية (وصادقة) بإعفاء هذا المدير من منصبه فإبتهج الموظفون في المستشفي بطريقة هستيرية غامرة..ثم تصادف أن إستضافت إذاعةٌ محلية هذا المدير فإتصل الموظفون بالإذاعة وأعلنوا عن أسمائهم صراحةً متداخلين معه وساخطين عليه وشاتمين ولاعنين له..وبالفعل صدقت الإشاعة وأُعفيَ دكتور خالد من منصبه بعد هذا اللقاء مباشرةً..ولكن المفاجأة الساحقة والتي لم يتوقعها أحد أنه قد صدر قرارٌ من وزير الصحة بعد أيام معدودة فقط من إعفائه من إدارة المستشفي بتعيينه مديراً عاماً للشؤون الصحية لمنطقة مكة المكرمة كلّها وبتوصية من أمير مكة..!! ولَكُم أن تتخيلوا كمية الرخرخة والخرخرة والبطبطة والجّرسة وحالات الإسهالات التي وجد الموظفون الساخطون واللاعنون أنفسَهم فيها..!!
تذكّرتُ هذه الحادثة عشية إعلان نتيجة الإنتخابات الرئاسية في أمريكا..فالرجل (دونالد ترامب) قد إستدرج الجميع إلي فخ معاداته وشتمه ولعنه والسخرية منه والضحك عليه والإستهزاء به..إبتداءً من الرئيس أوباما وليس إنتهاءً بأقل الجاليات شأناً وأهونها علي الناس..وبعد فوزه المفاجئ والصاعق أُسقط في أيدي هؤلاء جميعاً..وأُسقط في أيدينا جميعاً..وبطبط الجميع بلا إستثناء وما زالوا..ساهرتُ تلك الليلة حتي الثالثة صباحاً منتظراً السيدة كلنتون أن تأتي علي صهوة حصان أبيض لتكتسح هذا المهرّج الأرعن وتلقّنه درساً في أدب الفوز والإكتساح ولكنها لم تأتِ أبداً..وعندما سقطت ولاية أوهايو في يد ترامب وهي الولاية التي لابد لكل مرشحٍ جمهوريٍ أن ينالها لكي يفوز بالرئاسة بدأتُ أفرُك عينيّ وكانتا قد إحمرتا سلفاً..وعندما تهاوت ولاية بنسلفانيا قلتُ ربما يكون النوم أفيَد وأريَح وأجدي !!! Game is over
(لقد فشّلتنا هذي الحُرمة الله يفشّلها) علي قولة أهلنا السعوديين!! وتذكرتُ فوراً مقولة لصديقي وإبن عمي شيخ نور الدايم تقول: (أحسن رأي في العوين رأي أمَّك، وكان سمعتَ رأي أمَّك برحّكك المُرحاكة)*!! ثم بدأتُ في نوبة من نوبات تأنيب الضمير العنيفة والحادة وبقيت أردّد بغير وعيٍ مني: هسه عليك الله البخلّينا نتبع الحُرمة دي شنو؟! دا لزومو شنو هسه دا؟؟!
وفي الصباح -وبعد نوم متقطع وقلِق وكله هلاويس- قالت لي بنتي إبنة الثامنة إنها لا تود الذهاب إلي المدرسة!! قلتَ ليها ليييييييه؟!
قالت لي :-
BecauseTrump has won!!
وبالفعل رفضتْ الذهاب إلي المدرسة وبإصرارٍ عجيب!! وبصراحة قلتُ في نفسي:- الأطفال ديل مرات بشوفوا بعيون الملايكة، يمكن تكون البت دي شايفة ليها حاجة.. فسمحتُ لها أن تتغيب عن المدرسة!!! وقمتُ أنا إلي العمل أُجرجر أذيال الخيبة والإحباط والتوجس و(خائفاً أترقّب)..وأقول في نفسي هسه دي مصيبة شنو دي الوقعنا فيها دي !!! ولولا أنني خِفتُ أن يفشي (الواشون) الذين يسكنون معي في البيت خبر تغيبي عن العمل لكنتُ قد تغيبتُ مع إبنتي..
ذهبتُ وفي قرارة نفسي كنتُ أتمني لو أنني أستطيع أن أختلق عذراً للغياب عن العمل خاصةً وأنه طوال الطريق إلي العمل كنتُ أقول: يا ربي البت دي تكون فعلاً شايفة ليها شوفة؟؟!!
هذا هو حال كل الذين أيّدوا هيلاري كلنتون وناصبوا ترامب العداء عشية إعلان نتيجة الإنتخابات..والحقيقة ففي أمريكا ليس غريباً أن يعلن الإنسان عن تأييده لمرشح بكل جرأة ووضوح دون أن يخاف من أحد ودون أن يخشي الإنتقام من أحد..ولكن هذه المرة مختلفة لأن السيد ترامب كان قد تبني خطاباً عدائياً صارخاً ودون مواربة..ثم أنه كان أرعناً جداً ومتهوراً جداً وغير مبالٍ بأحد..كان عدائياً بغرور وبعنجهية لم يتعوّد عليها الأمريكان ولا العرب ولا المسلمون في أمريكـــا ولهذا لم يكن يدور بخلَد أحد أنه سيفوز ولو كسَر رقبتو..ولذلك لم يتورّع الناس في المُضي في شتمه والإستهزاء به والضحك عليه إلي ما لا نهاية.. وعندما فاز لم يعد الناس يعرفون ماذا يفعلون وحتي الآن..وساد الجميع وبالأخص الجاليات التي توعّدها وعاداها حالاتٌ من الهلع والخوف والتوجس فقدان الأمـان..وما يزالون..
في الدول العربية والإسلامية لا أتخيّل أن حال زعمائها سيكون أحسن من حال الجاليات العربية والمسلمة داخل أمريكا..بل أنني أتخيل أن حال الجاليات داخل أمريكـــا سيكون أفضل مائة مرة من حال الدول العربية لأنه ما يزالُ متاحاً هنا لأي مواطنٍ أمريكي أن يقاضي بكل قوة رئيس الولايات المتحدة نفسه حال التغوّل علي حقوقه ويمكن أن يكسب القضية ضد الرئيس كمان..وأما الدول والحكومات العربية فحالها أشبه بحال موظفي مستشفي النور بمكة المكرمة حين أحاطت بهم كارثة تعيين دكتور خالد مديراً للمنطقة الصحية بأسرها !!
صحيح ربما أنه ليس هناك من فرق كبير في سياسة الجمهوريين والديموقراطيين عموماً تجاه الشرق الأوسط والعرب تحديداً ولكن لو طبَّق السيد ترامب سياسته بمثل صرامة الخطاب الذي كان يتبناه إبان الحملة الإنتخابية فسوف لن يتورّع عن الضرب بلا رحمة..
وخير ما نوصّي به حكومتنا الرشيدة فعلاً هو ما تتداوله الوسائط هذه الأيام من أن يقلّل رئيسنا الهُمام من الإستهزاءات والعنتريات غير المحسوبة التي درج علي ترديدها بلا حساب من شاكلة:-
تحت جزمتي دي.. وألحسوا كوعكم..وجِلِد كديس وطُز فيكم..ومش عارف إيه..
ترامب دا كاسِر فخّة يا السيد الرئيس !!!
*المُرحاكة هي حجر رحي كان إلي وقت قريب تطحن فيه النساء العيش في السودان قبل الطواحين الحديثة..وهو عمل تقوم به النساء عادةً وعندما يقوم به الرجال فهو مهانة وإذلال عند السودانيين (القدماء)..
د.بشير محمد.. أمريكـــا
bashiridris@hotmail.com