نحو التأطير لمفاهيم جديدة في الممارسة السياسية .. بقلم: رمضان أحمد

يكاد المرء يجزم أن النخبة الحاكمة في الخرطوم لا تختلف عن بعضها البعض في طريقة التفكير والافتقار إلى المباديء، ومن حيث ممارسة السياسة بنظام رزق اليوم باليوم، سواءً أكانت معارضة أم موالاه. هي نفس الوجوه تقريباً ونفس التيارات السياسية التي أفسدت الممارسة السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم، وهي التي أجهضت الديمقراطية من خلال استعانتها بالعساكر. هذا الكلام ينطبق على كل النخبة السياسية من أقصى اليمين والوسط إلى أقصى اليسار. فهل إلى خروج من سبيل؟ نستعرض في هذا المقال أهم المباديء السياسية التي بها يمكن أن نطور فهمنا للمارسة السياسية بما بالنفع لنا جميعاً كمواطنين على اختلاف توجهاتنا السياسية والعرقية والفكرية.
على الرغم مما يقال عن النظام الحاكم من فساد وإفساد وتخريب، لا يعني ذلك أن المعارضة أفضل حالاً وأنها لو آل الأمر إليها ستحول البلاد إلى جنة! ذلك لأن المعارضة لا يجمعها إلا كراهية النظام، أو على الأصح كراهية الإسلاميين الذين يحكم النظام باسمهم. الكراهية لا يمكن أن تبني دولة، والذي يحمل الكراهية في صدره لا يمكن أن يتقدم الصفوف لأنه مهيأ لأن يكون ظالماً. المعارضة تفتقر إلى رؤية مقنعة للحكم، تتجاوز المرارات وتجمع الناس بمختلف مشاربهم حول مشروع وطني يضع لبِنات التقدم والازدهار.
تغيير هذا الوضع البائس يتطلب تغيير بعض المفاهيم التي تؤسس لمفهوم المواطن والوطن وتعيد تعريف الممارسة السياسية على غرار ما يحدث في البلدان المتقدمة. ولو نجحنا في ذلك فسنكون على عتبة التقدم بأسرع ما يمكن. ولئن استغرق تطور ماليزيا عشرين عاماً وتطور تركيا خمس عشرة سنة فإن تطور السودان قد يستغرق أقل من ذلك بكثير نظراً لما يتمتع به السودان من موارد بشرية ومادية.
قد يقول قائل بأن الوضع الحالي ميؤوس منه، وقد تجاوز فساده إمكانية الترقيع، وإنما يتطلب تغييره اجتثاثه بالكامل. هذا كلام مثالي ويتطلب تحقيقه تضحيات جسام ينوء بثقلها المواطن المرهق أصلاً. ولكن الأمل هو أن أي حكومة تقوم في الأساس على أفراد وطالما الأفراد لهم دورة حياتية محددة تنتهي لا محالة، فالأمل معقود على توعيه الأجيال القادمة التي سوف تتسلم زمام الأمور في البلاد – طال الزمن أو قصر- وبالتالي نكون حققنا الاجتثاث الذي نطلع إليه وبلا تكلفة لأن التغيير سيكون تغييراً تلقائياً وحتمياً لأن العالم من حولنا يتغير ولكي مواكب التغيير من حولنا لابد أن نتغير أيضاً. فالتوعية التي تفضي إلى تغيير مفهوم الممارسة السياسية تقوم على المحاور التالية:
أولاً: مفهوم الممارسة السياسية والعضوية الثابتة: السياسة في السودان لا تقوم على فكرة ورؤية وإنما على أشخاص وتنظيمات. فمثلاً الطائفية السياسية/الدينية – ممثلة في آل المهدي وآل الميرغني- أقامت الممارسة السياسية حول شخصية السيد. وبالتالي اكتسب السيد زخماً في شخصه دون أن تكون له رؤية محددة لبناء دولة وتكوين شعب، فكان الشعب كله تابعاً وملكاً للسيد. وبذلك أصبحت الممارسة السياسية في السودان منذ الاستقلال إلى اليوم عبارة عن لعبة كراسي ليس أكثر من ذلك. وأصبح الناس يتبعون الأحزاب تبعية عمياء ويدافعون عنها بإخلاص وتفانٍ، بل أصبح مرشح الحزب يفوز بالإشارة من السيد، ليكون في البرلمان أشخاص يفتقرون إلى المعرفة الأساسية التي تؤسس لحياتهم الخاصة ناهيك عن تولي الشأن العام! هذا فضلاً عن أن أحزابنا السياسية أصبحت ملكيات بلا مملكة، بحيث يظل رئيس الحزب رئيساً أبدياً حتى يتوفاه الله ليستلم ابنه أو أحد أقربائه. والأحزاب تفتقر إلى مباديء ثابتة توجه ممارستها السياسية: فالذي يعارض اليوم ويسب ويلعن الحكومة قد يغير موقفه غداً ليكون أشد المدافعين عنها، ليس لأنها غيرت مواقفها وصححت أخطاءها وإنما لأنه لم يعارض أصلاً وفق مباديء. وهذا ينطبق على كل الأحزاب السياسية بلا استثناء. هذه المسألة أفرغت العملية الديمقراطية من محتواها وجعلها مثار سخرية.
الممارسة الديمقراطية الصحيحة تتطلب قيام أحزاب سياسية على أساس برامج ورؤى. تدور هذه البرامج والرؤى في جوهرها حول رفاه المواطن وكرامته وأمنه، والحفاظ على دستور الدولة وتأمين علاقات خارجية تعود بالنفع في نهاية المطاف للمواطن. بمعنى أن الحزب يكون مؤسسة، والقائمون على أمره هم أناس على قدر من التأهيل العلمي والمهني ومصعدون من القواعد الشعبية وليسوا معينين. ذلك لأن الذي يتولي المنصب الساسي بالتعيين يفتقر إلى الشرعية اللازمة ويكون ولاؤه لمن عينه، وبالتالي يسعى لنيل رضا من عينه في كل خطوة يقوم بها، عكس الذي يأتي مصعداً من القواعد الشعبية إذ يكون ولاؤه لقواعده مما يسكبه قدراً من الاستقلالية بحيث يقول رأيه في برامج الحزب ويسهم في تطور الحزب دون خوف من أحد، مما يشجع تنوع الآراء وإنضاج الممارسة السياسية داخل الحزب.
وبالنسبة للعضوية، لا توجد عضوية ثابتة. فأنا كمواطن قد أصوت للحزب الفلاني في هذه الدوره حسب قناعتي ببرامجه ومشاريعه. ولكن إذا فشل الحزب في الوفاء بتعهداته فسأعاقبه بالتصويت لغيره. وبهذه الطريقة تكون مسألة تأييد الحزب من عدمه مسألة نسبية تنهي الاستقطاب الذي نشاهده الآن والذي يوشك أن يمزق وحدتنا الوطنية لما ينطوي عليه من بغضاء وكراهية ونزعة الانتقام. نحن نعيش الإقصاء في كل المستويات بحيث إذا اختلف شخص معي في الرأي سأحذفه تماماً من كل شيء. وهذه هي العقلية التي أدت إلى تجفيف البلاد من أشهر الخبراء في كافة المجالات لأنهم يختلفون في الرأي مع السلطة القائمة!
ثانياً: مفهوم الوطن والمواطنة: مفهوم الوطن والمواطنة بالنسبة لأغلب السوادنيين لا زال فطيراً لسببين اثنين: الأول هو أن الطائفية الدينية هي التي أجهضت نواة الوطن والمواطنة المتمثلة في جمعية اللواء الأبيض التي كانت تضم من تصدوا للشان العام انطلاقاً من ذواتهم وليس بفضل ميراث آبائهم، وبالتالي لم تؤسس لمفهوم المواطنة والمواطن وإنما لمفهوم السيد والخادم. والطائفية الدينية هي التي أسست لمفهوم “من أنت” و”أصلك من فصلك” – بمعنى هل أنت منحدر من عائلة أسياد أم خدام؟ والسبب الثاني أن المجتمع السوداني لا يزال مجتمعاً تقليدياً ولم يتمدن بعد، إذ لا يزال ينتمي إلى القبيلة أكثر من انتمائه إلى الوطن. تقليدياً كانت القبائل تسكن في بقع جغرافية محددة بحيث تسود فيها أعرافها وتقاليدها بل وهويتها أيضاً، والانتماء للقبيلة كان ضرورياً بغية الحماية وتحقيق المصالح. ولكن مع تطور المجتمعات وتمدد المدينة على حساب القرية، فضلاً عن حركة الأفراد والجماعات التي أفضت إلى التساكن والتزاوج، انتفت الأسس التي كانت تقوم عليها القبيلة، مما عزز دور الدولة. فلم تعد هناك بقعة جغرافية حصرية لقبيلة معينة، وأصبحت الدولة هي التي تقوم بالحماية – أو يفترض ذلك- وأصبحت مصالح الأفراد متشابكة. وبالتالي فإن أي دور للقبيلة بغية تحقيق مصالح مادية في هذا الوضع سيشكل خطراً على السلم الإجتماعي، وهو ما نراه رأي العين الآن! لا بأس أن يكون للقبيلة دور من الناحية الثقافية والتراثية من قبيل الاهتمام بالجذور، دون ربط ذلك بأي مصلحة مادية في سياق الوطن.
الممارسة الديمقراطية الصحيحة تتطلب تعزيز مفوم الوطن والمواطنة. والوطن كوعاء جامع لكل الناس بمختلف توجهاتهم الفكرية ومعتقداتهم وتقاليدهم وأعراقهم كفيل بتوحيد الناس. فإذا قلنا مثلاً نريد نظاماً تعليمياً ينافس عالمياً، أو نظاماً صحياً من الطراز العالمي أو حكماً رشيداً يوفر الكرامة والرفاه للمواطن ، فلن نجد من يعترض على ذلك. إذن، تعزيز مفهوم المواطنة يؤدي إلى توحيد الرؤى حول مشروع عملاق. هنا قيمة المواطن ترتفع وتنخفض بقدر ما يمتلك أو يتهيأ لامتلاكه من مهارات وقدرات تمكنه من الأسهام في تحقيق هذا المشروع الوطني. ومع هذه المواطنة تنتفي القبيلة والديانة والأيديولوجيا وكل تصنيف بخلاف أن يكون الشخص “مواطناً”. ومن هنا لا يُسأل الطبيب أو المهندس أو الأستاذ الجامعي أو أي صاحب مهنة عن توجهه الفكري أو دينه أو قبيلته أو من أصله وفصله طالما يمتلك المهارة اللازمة التي تمكنه من الإسهام في المشروع الوطني.
ثالثاً: مفهوم موظف الدولة ومعايير التوظيف: الموظف العام – اعتباراً من الرئيس إلى الخفير – لا يختلف عن أي مواطن إلا بحجم الأعباء التي كُلف بها. إذن الوظيفة العامة هي مسؤولية وليست تشريفاً. ومن الأشياء المضحكة أن الشخص عندنا اليوم إذا عُين وزيراً يقيم السرادق وأهازيج الفرح تملأ داره. والسبب في ذلك هو الفهم السيئ للوظيفة العامة، بحيث يعتقد الموظف العام أنه امتلك الوزارة أو المؤسسة ويتصرف فيها كما لو كانت ملكاً، فضلاً عن أنه يتخذ من منصبه منطلقاً لممارسة التجارة وإنشاء الشركات الخاصة ناهيك عن الارتشاء بغية تجاوز القوانين لتحقيق مصالح ذاتية. وبعد فترة قصيرة ترى نفس الوزير الذي كان قبل وقت قريب شخصاً عادياً تراه الآن يمتلك الأملاك ويمشي في الأرض مرحاً، وحتى لغته تتغير. الملاحظ أن هذا الوزير أو المسؤول هو في الغالب شخص مغمور ولم يحقق أي نجاح في حياته الخاصة، ولم يتعين على أسس علمية ووفق كفاءته، بل لأنه مقرب من فلان أو لأنه يجيد التطبيل لمن هو أعلى منه أو مطيع له!
الممارسة الديمقراطية الصحيحة تتطلب أن يكون التعيين لأي منصب حكومي وفق معايير محددة وبإشراف لجنة من الخبراء المختصين في المجال المحدد. منصب الوزير مثلاً أو حاكم ولاية أو غيرها من المناصب العليا في الدولة لا يعين لها إلا شخص حقق نجاحاً معقولاً في حياته الخاصة بحيث تكون عنده سيارة وبيت ومصدر معقول للدخل وإسهام ما في الحياة العامة. يمنع الموظف العام من ممارسة أي مهنة يتقاضي منها أجر، وتحصر ممتلكاته حين تسلمه الوظيفة وتحصر مرة أخرى عند تخليه عن الوظيفة العامة، وأي زيادة غير معقولة في ممتلكاته تجعله عرضة للمساءلة القانونية.
هناك مسألة أخرى متعلقة بموظف الدولة بصورة عامة. السودان بحاجة لبرنامج صارم فيما يتعلق بتصحيح مفهوم الموظف العام، بحيث يعرف أنه خادم للمواطن وليس سيداً كما هو الحال. يجب أن يخضع الموظف لتقييم مستمر ومن أهم محاور التقييم كيفيه تعامله مع المواطن وسرعة تنفيذ المهام ولباقته وابتسامته حتى عندما يقضي للمواطن معاملة.

رابعاً: وعي المواطن بواجباته وحقوقه: ما يجري في بلادنا الآن شيء مخزٍ، إذ إن المواطن يتودد للموظف العام أو حتى يرشوه في أغلب الأحيان من أجل أن يحصل على حق يكفله له الدستور والقوانين والأعراف. الموظف العام ما لم يكن المواطن واعياً بحقوقه، فسيظل محروماً ومقهوراً، ويُستكثر عليه حتى الأنين من الألم. وعي المواطن بحقوقه هو الذي يمنع الموظف العام من التغول على حقوق المواطن. ووعي المواطن بحقوقه هو الذي يجعل المواطن يجد في أداء واجباته لأنه يعرف ما له وما عليه، وبالتالي لن يكون عرضة للاستغلال. المواطن الواعي بحقوقه وواجباته يسهل إدارته وتوجيهه وفق النظام وفي نهاية المطاف الدولة هي الرابحة وربحها هو ربح المواطن.
بهذا الفهم سنؤسس لدولة يكون المواطن فيها قيمة في حد ذاته دون شروط وترتفع هذه القيمة بقدر استعداد المواطن للاسهام في دفع المشروع الوطني الجامع إلى الأمام بفضل من يمتلك أو يستعد أن يكتسب من المهارات والخبرات ومعارف. والدولة التي تمتلك هذا النوع من المواطن هي التي تكون مهيئة للتنافسية العالمية. والله أعمل.
رمضان أحمد
breima_ramadan@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً