ديناميات الحرب والسلام في السُّودان : دور العولمة والحداثة .. بقلم: الدكتور/ قندول إبراهيم قندول
ديناميات الحرب والسلام من منظور ثقافي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمفهومي العولمة والحداثة. ولعلَّ أهمية الربط بينهما لها علاقة قوية باستقرار السُّودان وأمنه وذلك بتوجيه طاقات شعوبه المختلفة نحو الغاية الأسمى وهي التنمية لتحقيق رفاهيتها. فالعولمة تعبِّر عن التبادل السريع للمعلومات بينما الحداثه تهتم بالتجديد الفكري وصحوة الضمير الداخلي للفرد، وتفعيلهما مرهونان ببسط الحريات عبر نظام ديمقراطي فاعل. بهذا يمكنهما إبراز الجوانب الشريرة للحرب والصورة الفاضلة للسلام. أو بعبارة أكثر دقة أو مختصرة: أصبح العالم “قرية” صغيرة مما يسهِّل إرساء دعائم السلام المستدام باختزال مقومات وعناصر الحرب المتعدِّدة بفضل ثورة الاتصالات المعلوماتية والمفاهيم والأفكار الجديدة المستقلة. إذن مفهوم العولمة والحداثة صنوان من حيث توسيع قاعدة انفتاح الشعوب على بعضها وتفاعلها لتجسيد وتكريس وحدة الإنسانيَّة ومصيرها المشترك بتداخل وتكامل، بل وتفاعل مصالحها ومصائرها على نحو لم يكن له نظير في العصور القديمة.
تاريخ السُّودان القديم والحديث (بعد تكوينه بحدوده المعروفة)، والمعاصر (الآن)، مليء بعدم الاستقرار والحروب الدائمة. فقد أضفت ديمومة الحرب هذه شعوراً شبه مؤكد بأنَّها متلازمة ثقافية تعمَّقت بجذورها في مخيلة أجيال متتالية من المجتمع السُّوداني. فمثلاً لم يشهد العهد التركي – المصري (1821- 1885م) أي نوع من السلام والاستقرار إذ قاوم الأهالي محاولات السيطرة عليهم تارة، أو اصطيادهم كرقيق تارة ثانية، أو إغارة القبائل على بعضها لنفس الهدف والهيمنة مرة ثالثة إلخ… ثم جاءت فترة المهدية (1885 -1898م) ولم يتغيَّر أو يتحسَّن الوضع؛ وهكذا الحكم الإنجليزي – المصري (1898-1956م).
البحث عن السلام
لا ريب أنَّ المركزية القبليَّة والثقافيَّة أسست ثقافة رفض التنوُّع الثقافي والعرقي والديني على المستويين الرسمي والشعبي.(10) ولعلَّ المركزية بنت نظرتها على مذهبين كما جاء في نظرية جوزيف آرثر قوبينو للتميُّز العرقي.(11) فمذهبه الأول يتمحوَّر حول نظريته التي وصفها بـ “العلميَّة” والتي تشير إلى تفاوت أعراق بشريَّة على أخرى. وهذه النظرية – في رأينا – غير دقيقة ولا مسنودة بحقائق علميَّة. أما المذهب الآخر فعقائدي إذ يرى مؤيدوه أنَّ الجماعات الأخرى على باطل. لسوء طالع السُّودانيين قد ركَّز المركز الاستعلاء العرقي والثقافي والديني لجماعة معيّنة تجاه جماعات أخرى.
إنَّ تحليل “ديناميات الحرب في السُّودان” يوضَّح تميُّز سياسة الإقصاء أو “التمكين” و”التضليل الرمزي”.(12) لقد أثرت هذه السياسة تأثيراً مباشراً وسالباً على تماسك النسيج الاجتماعي بين المكونات القبليَّة والإثنية المختلفة لمجتمعات الريف والمدينة السُّودانيَّة التي تميَّزت في الماضي بالتسامح والتكامل والتكافل المجتمعي دون قيود أو شروط. ولربما انتقلت عدوى التفكك المجتمعي وانتشرت على نحو ما في المدينة التي تميَّز مجتمعها في الماضي بأنَّه “قبيلة” واحدة يغلب على أفراده التعاضد بدلاً عن التشتت والتخاصم، كما أسلفنا ذكره.
ينبغي أن تُبنى المصالحة السلميَّة على المطلوبات التي تستوعب التنوُّع الثقافي، والإثني، والديني والتفاوت الاجتماعي تحقيقاً للقاعدة التي تقول:”ليس لأي إنسان حق أكثر من غيره في التمتُّع بمنافع الأرض”.(14) بمعنى أنَّ الإنسان ليس مروهناً لغيره ولكن ينبغي أن يعيش على مبدأ المساواة والتكافل السلمي. وهذا بالضرورة ينطوي على الاعتراف بخصوصية الاختلافات الثقافيَّة بين الجماعات المتباينة والمتساكنة مع بعضها بكل صفاتها المادية، والمعنوية، والعقائديَّة، والمصير المشترك وفي سياق معياري للآمال المشتركة في الحرية والكرامة والسلم والتضامن. أي بمعنى أدق، يجب أن تكون ثقافة السلام والتعايش السلمي بين الشعوب المتباينة بؤرة مستهدفة بالعولمة والحداثة لعكس صورتين متناقضتين: الحرب (الصورة السالبة) والسلام (الصورة الإيجابية). فإذا ما توفَّرت المعايير الكفيلة للتفاعل والتثاقف سلمياً فسيعضد التبادل الفكري والقيمي والتحالفات المجتمعيَّة وصولاً إلى “ثقافة السلام” عبر أدوات الضبط الاجتماعية المحلية بالتمازج بالمصاهرة، مثلاً. هذا النهج سيسلِّط الأضواء على دور العولمة والحداثة اللتين تحدثنا عنهما في تغذية ثقافة الحرب والسلام في السُّودان.
(1) تمردت الكتيبة 105 ببور في جنوب السُّودان حينما طلبت منها الخرطوم المشاركة في العرض العسكري الخاص بأعياد الاستقلال في الخرطوم كغيرها من الوحدات العسكريَّة الأخرى.
لا توجد تعليقات
