بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
الإيمان: الوجود والعدم
نواصل ما سبق من حديثنا عن خلق العالم وأصله وهذه الحلقة تُفهم في سياق الحلقات السابقة ولذلك ننصح من لم يقرأ ما سبق أن يُلمّ به أوَّلاً.
عندما نتكلَّم عن خلق العالم فسنجد أنَّ الناس ينقسمون إلى فريقين رئيسين يؤمنون بالأزليَّة ولكنها يختلفان في ماهيَّة أو جوهر الشيء الأزلي أهو الله خالق الكون وما فيه فأوجد نفسه بنفسه نتيجة الإرادة: ” فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ “، أم أنَّ الكون هو الأزلي الذي أوجد نفسه بنفسه نتيجة الصدفة؟
وسننظر إن شاء الله في حُجَّة الفريقين وسنتَّخذ من نموذج دين الإسلام مرجعاً يمثِّل فريق المؤمنين بالله على أنَّه الأزلي في المقارنة بين الفريقين، وذلك، في رأينا، لتكامل رؤيته الفلسفيَّة وتمام إجاباته على الأسئلة الوجوديَّة الصعبة التي يختلف عليها النَّاس مقارنة ببقيَّة الأديان الأخرى التي اطَّلعنا عليها.
وسنقارن حُجَّة الفريقين بالدَّليل والبرهان العقلي والعلمي كحكمٍ بينهما. وسيكون تركيزنا في هذه الحلقة على توضيح نموذج دين الإسلام في تناوله لقضيَّة الوجود.
وأوَّل ما نوضِّحه هو تعريف مفهوم الأزلي. فهو يُعرَّفُ في اللغة وفي الفلسفة على أنَّه الشيء الخَالِدُ الدَّائِمُ الوُجُودِ الذي لاَ بَدْءَ لَهُ؛ أي ما لا يكون مسبوقاً بالعدم لأنَّه الأوَّل في الوجود، وذلك يعني أن لا بداية أو نهاية له.
فمثلاً الدَّائرة أزليَّة لأنَّها ليس لها بداية أو نهاية، إذ أنَّك تستطيع أن تبدأها من أيِّ نقطة شئت، ومتي ما دخلت في محيطها فلن تستطيع أن تجد لها نهاية إذ ستدور فيها إلى ما لانهاية.
فإذا كانت الدَّائرة تبدأ من النَّقطة التي تقف عليها فهي في نفس اللَّحظة هي النَّقطة التي تنتهي إليها إذا درت حول الدَّائرة، أو فقط التفتَّ للخلف، ولذلك لا يمكن أن تقول أنَّ هذه النَّقطة يسبقها لاشيء أو عدم، فهي لن يسبقها أو يلحقها شيء، إذ أنَّها المبتدأ والمُنتهي. ولنفهم ذلك فتخيَّل أنَّ الدَّائرة مجموعة نقاط متَّصلة أفُقيَّاً وكلُّ نقطة فيها هي بداية ونهاية الدَّائرة في نفس الوقت.
وأيضاً لا يمكنك أن تفصل محيط الدَّائرة عن محتواها فإذا اتَّجهت ناحية الخارج كنت تقف على ظاهرها وإذا اتَّجهت ناحية الدَّاخل فأنت تقف في باطنها، ممَّا يعني أنَّ نفس النُّقطة التي هي البداية والنِّهاية، هي أيضاً ظاهر وباطن الدَّائرة حسب اتِّجاهك أي أنَّها بداية الدَّائرة ونهايتها في نفس اللحظة رأسيَّاً.
وإذا كان محيط الدَّائرة الظاهري هو بداية الوجود فلا يوجد شيء قبله وإذا كان محيط الدَّائرة الباطني هو نهاية الوجود فلا يوجد شيء بعده إذ أنَّ كلَّ ما في الوجود يحدِّده محيط الدَّائرة.
خذ الكرة الأرضيَّة مثلاً فلا تستطيع أن تقول أنَّها تبدأ من نقطةٍ معيَّنة أفُقيَّاً أو رأسيَّاً، فهي تبدأ بالنسبة لك من النقطة التي تقف عليها، ولو ظللت تلفُّ حولها فستفعل ذلك إلى ما لانهاية حتى تزول الأرض، أمَّا إذا التفتَّ للخلف عندما تصل إليها بعد أن تلفَّ حولها مرَّة فستكون قد بدأت من نقطة النَّهاية للمرَّة الأولي والتي هي أيضاً نقطة البداية للمرَّة الثانية، وهذا ما يُعني بالأزليِّ. وسنعود لاحقاً إن شاء الله لوصف الله سبحانه وتعالي لنفسه بأنَّه الأوَّل والآخر والظاهر والباطن في نفس الوقت.
وهذا يعني أنَّ وجوده مستمرٌّ أبداً، أي باقٍ دائماً لم يسبقه شيء، ولن نصل إلى نهايته أبداً لأنَّ لا بداية له، لأنَّ نقطة البداية هي نقطة النَّهاية، فهو لذلك متحكِّمٌ في نفسه وفي وجوده غير مقهور بقوَّة أخري تستطيع أن تُغيِّره مهما حاولت.
وهذا عكس طبيعة الإنسان مثلاً؛ إذ أنَّ له بداية معروفة وهي ساعة حمله ونهاية معروفة وهي ساعة موته وهو لذلك ليس مُتحكِّماً بوجوده لأنَّ وجوده يعتمد على وجود شخصين آخرين هما أمُّه وأبوه، وهو لا اختيار له في ذلك. وهو أيضاً تحت قهر شكله، ولونه وموطنه، وهو أيضاً تحت قهر القوَّة والمرض والضعف والرزق والموت لا قرار له في كلِّ ذلك ولا اختيار.
فالإنسان ضعيف تتحكَّم فيه أشياء كثيرة ولا اختيار له إلا في أشياء قليلة، فهو لا يمكنه حتى أن يُقرِّر أن يظلَّ قويَّاً أو حتى مريضاً، أو أن يُقرِّر أن يعيش أبد الدَّهر. وهذا يعني أنَّ الإنسان ليس بأزلي وأنَّه زائل.
والله سبحانه وتعالي يقول:
“إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”. فهنا مخاطبة من الله سبحانه وتعالي للشيء، وهنا أيضاً استجابة وانفعال من الشيء لأمر الله سبحانه وتعالي، وهو يدلُّ على أنَّ هذا الشيء، مهما كان إن كان غازاً، أو إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً، حيٌّ يسمع ويطيع فيكون. وذلك يعني أنَّ الذي خلق الصفات قادر على أن يغيِّرها كيف يشاء ويتَّضح ذلك في مخاطبة المولي عزَّ وجلَّ للنَّار:
“قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ”.
وفي مسألة الأزليَّة يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: “هُوَ اللَّهُ وُجُودُهُ فِي الأزَلِ وَالأَبَدِ وَاجِبٌ”، والأزل يعني القِِدَمْ، والأبَدْ يعني استمرار الوجود في المستقبل.
وفي هذا يقول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
” كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُه وكان عرشُه على الماءِ ثم كتب في الذِّكرِ كلَّ شيءٍ ثم خلق السماواتِ والأرضَ”.
والشيخ ابن تيمية رضي الله عنه يقول:
“ما يثبت قدمه امتنع عدمه، فما جاز عدمه امتنع قدمه، فإنه لو كان قديما لامتنع عدمه، والتقدير أنه جائز العدم، فيمتنع قدمه، وما جاز حدوثه لم يمتنع عدمه، بل جاز عدمه”.
فهو يتحدَّث عن الأزليَّة وحُجَّته أنَّ كلَّ ما له بداية فله نهاية والله سبحانه وتعالي يقول أنَّ الكون لم يوجد من قبله ولكنَّه وُجد قبل الكون، وهو الذي خلق الكون، وذلك يعني أنَّ للكون بداية ولذلك فهو يقول أنَّ هذا الكون، كما نعرفه سينتهي يوماً ما، أي ستكون له نهاية ثُمَّ يبدِّله بكون آخر له صفات مختلفة.
فإذا كان الله سبحانه وتعالي هو الأزلي؛ أي القديم الذي سبق كلَّ شيء فذلك يعني أنَّه سيظل باقياً ولن يفني أمَّا الكون الذي حدث على يديه فهو جديد، وبما أنَّه خلقه فهو قادر على أن يفعل به ما يشاء يُبقيه أو يُفنيه.
والشيخ ابن القيِّم رضي الله عنه يوضِّح ذلك بقوله في وصفه لله سبحانه وتعالي:
“أنه لم يكن معدوما أصلا، بل لم يزل ولا يزال”، ممَّا يعني أنَّه غير زائل.
وبما أنَّ الله سبحانه وتعالي لم يسبقه شيء فذلك يعني أنَّه مُتحكِّمٌ في كلِّ شيء، ويملك كلَّ شيء لأنَّه ليس هناك من سبقه لينازعه الملك لأنَّه يملك الملك نفسه: ” قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ”، أي يملك التَّحكُّم في كلِّ شيء وهو ليس كالإنسان الذي لا يتحَّكم في مصيره وسلوكه، وما يُتحكُّمُ به أي جسده ورزقه وروحه. وتأكيد ذلك: ” وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَمُوتُ “.
فالملك في الدنيا قد يتحكَّم في مصائر من يحكم ولكنَّه ليس بمالكهم، وحتى إن ظنَّ ذلك فإنَّه يملك أجسادهم فقط لكنَّه لا يملك قلوبهم، ولهذا يقول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
“ما مِن قلبٍ إلَّا بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، إن شاءَ أقامَهُ، وإن شاءَ أزاغَهُ، وَكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: يا مثبِّتَ القلوبِ، ثبِّت قلوبَنا على دينِكَ. وقالَ: والميزانُ بيدِ الرَّحمنِ، يرفعُ أقوامًا ويخفِضُ آخَرينَ، إلى يومِ القيامةِ “.
وعندما أنزل الله سبحانه وتعالي:
” لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ”، قال أبو جهل لعنه الله:
” الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم”، فأنزل الله سبحانه وتعالي:
“وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين”.
ومعني ذلك أنَّ الإيمان بخالق للكون يعني الإيمان بأنَّه في إمكانه متي شاء أن يُفنيه أو يتدخَّل في شئونه، لأنَّه المالك الأحد فلا مشيئة إلا مشيئته.
فالربُّ الذي يُربِّي هو المالك والمسئول عنك، ولذلك فعلُه يجب أن يكون بمشيئته بلا إكراه أو إملاء من أحدٍ، وأيضاً بعلمٍ وبحكمة مثلما يفعل الأب مع أبنائه. فالعلاقة بين الرَّب والمربوب، ولله المثل الأعلى، كالعلاقة بين الأب والابن ليست متساوية وإنَّما من أعلى لأسفل، فالأب عندما يأمر أبناءه بشيء يتوقَّع منهم الطَّاعة ولا يرضي أن يجادلوه في سبب أمره، لأنَّه يضع مصلحتهم كأولويَّة ولا يقرِّر إلا إذا علم ما فيه نفعهم، وإذا جادلوه في كلِّ أمرٍ فلن تستقيم الحياة لأنَّها ستبذل في الجدال وليس في العمل لأنَّ في الجدال يعني أنَّ الآمر مُتَّهم في نيَّته، وعلمه، وخبرته، ومهارته، وحكمته. ويقول المولي عزَّ وجلَّ:
” لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ”. فتخيَّل ابنك يجادلك في أمرٍ فأنت قد تكون صبوراً وتُجيب على أسئلته ولكنَّه إذا أكثر الجدال فستنهاه، فإذا عصاك وقال لك ولماذا تأمرني ولا آمُرك؟ فستغضب وتنهره وتقول له أنَّه يحقُّ للأب أن يسأل ويأمر ابنه لأنَّه ولده وربَّاه وهو أوَّل وآخر والد ٍ له، فإذا استطاع أن يلد نفسه وأن يُربِّي نفسه فله حقُّ السؤال وإلا فلا يحقُّ للولد أن يفعل ذلك. والمولي عزَّ وجلَّ يقول نفس الكلام للإنسان:
” يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ “، ويقول أيضاً:
” أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟
وربما تقول لابنك: “عندما تتزوَّج وتُنجب أبناءً فحينذاك يمكنك أن تفعل مثلي”.
والجدال طبيعة أصيلة في الإنسان رغم الأمثال المنطقيَّة والمسنودة بالحُجَّة العلميَّة التي طرحها له الله سبحانه وتعالي في القرآن الكريم:
” وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ”.
وطبيعة هذه العلاقة بين الرَّب والمربوب التي تجعل الأب في مكان أعلى بيِّنٌ في أسماء الله الحُسني، فهو الأوَّل والآخر والظاهر والباطن، فله صفة وصفة مقابلة، ولكنَّه الأعلى فقط ولا مُقابل مضاد لهذه الصفة بالذات في أسمائه الحسني.
ويدعم صفة هذه العلاقة بين الربِّ والمربوب حديث:
” الخلقُ كلُّهم عيالُ اللهِ فأحَبُّهم إلى اللهِ أنفعُهم لعيالِهِ”.
ولتأكيد هذه الصفات لاكتمال المشيئة فقد جاءت آية: ” وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ”، في سورتين مختلفتين بخاتمة مختلفة، ففي سورة التَّكوير خُتمت بربِّ العالمين، وفي آخر سورة الإنسان خُتمت بإنَّ الله كان عليماً حكيما.
فالكون كوحدةٍ واحدة، لأنَّه مخلوق، تنطبق عليه نفس الصفات والأحوال التي تنطبق على أيٍّ من المخلوقات الأخرى مُفرَّقة، مثل الحمل، والولادة، والحياة، والنطق، والفعل، والموت، فله نهاية لأنَّ له بداية مثلما يبدأ الإنسان بضعف ثمَّ قوَّة ثمَّ ضعف ثمَّ موت.
فالجبال مثلاً هي ثالث مخلوقات الله سبحانه وتعالي في عظمة الحجم بعد السماوات والأرض. فالسماوات ترمز إلى النجوم والكواكب والأقمار وما بينها من فضاء، ثمَّ بعد ذلك يجيء ما على هذه الأجرام السماويَّة من مخلوقات صلبة وأكبرها هي الجبال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم