العاشر من اكتوبر 1898م ومياه النيل .. بقلم: د. بشير احمد محي الدين
20 أغسطس, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
في العاشر من اكتوبر اي بعد32 يوم من معركة كرري قام الرائد (الميجور فيرغسون) بحساب منسوب النيل الازرق في الروصيرص بعد وصول قوات الاحتلال في يوم 27 سبتمبر 1898م ورفع علم الاحتلال واخطار مشايخ النيل الازرق بالسلطة الجديدة وكان علي التوغل الي جبال فازوغلي الا ان حمي غريبة النوع اصابت جنود الانجليز الذين كان الامير احمد فضيل يرابط بقواته في ذلك الوقت في نهر الدندر الا ان الانجليز شرعوا في عمل (مقاس النبل في الضفة الشرقية) بمدينة الروصيرص وكانت البوراج الحربية تتحرك في النيل تتسقط اخبار قوات الامير احمد فضيل الذي هرب جنود منه وسلموا للحامية الانجليزية انئداك وقدموا معلومات عن حشود الانصار فيالدندر والتي قدرت بعدد 4000 مقاتل ومعهم النساء والاطغال
وكان معسكر القوات الانجليزية وقتها في غرب الرصيرص وانتقل الي المدينة في العوالي جنوبا علي الضفة الشرقية قبالة مستشفي الروصيرص.
هذا يؤكد اهتمام سلطة الاحتلال بمياة النيل ومعرفة منسوبة وسجلت تقارير المخابرات البربطانية قياس يومي لمنسوب النيل يرفق في مذكرة المخابرات ويرفع كتشنر بالنيل الذي كان احدي دوائر الاهتمام الاستعماري
يمثل نهر النيل عصب الحياة في وادية وهبة مصر وله اهمية كبري للحياة بين ضفتيه وقد عبر الرحالة الذين شقوا صحراء النوبة التي تابعتهم بسيط (الحر) وعندما وصلوا ضفاف النيل كانت أقوالهم عن النيل والراحة التي يهديها الواصلين ضفافه فقد قال ونستون شرشل ( ان النيل هو سبب تورط بريطانيا في تلك الصحاري) وقبلة قال هيردورت ( مصر هبة النيل)
وبعد احتلال السودان بواسطة القوات الانجليزية بقيادة المسجور جنرال هيربرت كتشنر كانت الأنظار تتجه لتأمين واكتشاف منابع النيل وعندما وردت معلومات المخابرات كتشنر باشا تحرك في العاشر من أغسطس 1898م ومعه سته بوراج حربية وذلك بعد وصول باخرة من جنوب السودان عليها الأمير سيد صغير من معسكر الأنصار في مشرع الشول واشتبكت مع (البيض) في فشوده ولمدة يوم كامل ولم تحسم المعركة وانسحب كل طرف واضطر قائد القوة الأمير سيد صغير بإبلاغ الخليفة ولم يكن يعلم بمعركة كرري وهزيمة الخليفة وصل الي ان درمان وتم اعتقاله وأستجوابه وافاد بوجود (قوة من البيض ) في في جنوب السودان في مشرع فشودة.
النيل كان مثار اهتمام بريطانيا وأن التدخل الفرنسي اعتبر تدخلا في مناطق نفوذها لذلك سعت لاخراجهم وكاد ان يقع صدام مسلح الا ان (الميجور مارشند ) قائد القوة الفرنسية طلب رفع الامر للحكومتين البريطانية والفرنسية ولم يمانع في رفع علم الاحتلال الانجليزي ( اليونيون جاك) في فشودة. علي خطي الكابتن الانجليزي النقيب (بيكي) انطلقت البوراج في رسم جغرافيا نهر النيل فرسمت خرائط النيل الابيض ونهر السوباط ونهر الزراف ونهر الجور وبحر العرب وحددت مناطق السدود وتم عمل نقاط لقياس مياه النيل في السوباط والنيل الابيض لحساب الوارد من المياه.
ظلت معلومات مناسيب المياه تجمع في الخرطم من محطات الجنوب والنيل الازرق والخرطوم وكانت من المادة الاساسية في تقرير المخابرات البريطانية اعتبارا من العاشر من اكتوبر بل وتم اقتراح مناطق المشاريع المائية بعد تقرير مفتش حكومة السودان (شواطين باشا) رودلف سلاطين باشا الذي كتب عدة تقارير مفصلة عن مستعمرة السودان من اهمها تقرير الرق في السودان والذي قرنة بسبل كسب العيش في السودان وتحدث عن قطاع المياه والزراعة والرق والرعي واشار في تقريرة ان ظاهرة الرق في السودان (ظاهرة أبوية) اكثر منها رق كما كان معروف وان الرق هم (الشغيلة) لذلك دعا لنوع من الحرية تنهي الرق مع بقاء الارقاء مع ذويهم لانهم عماد الانتاج ويده العاملة وان الاستفادة من المياه في الزراعة يتطلب تطوير الفهم لمسالة الرق في السودان.
الا ان سلطات الاحتلال رفضت فكرة بقاء الرق وذلك تحت ضغط جمعيات المجتمع المعادي للرق في بريطانيا فشكلت قوات باندا (الخرطوم وكردفان والفونج) لوقف استرقاق الاهالي السود وتحرير الارقاء وتعاملت (قوات باندا) مع الاهالي بعنف نتج عنه توقف الانتاج وندرته والتي قادت الي مجاعة 1902الي 1903م والتي اضطرت فيها سلطات الاحتلال لاستيراد ذرة من الهند لاغاثة الاهالي وبعدها تم الرجوع لتقرير رودلف سلاطين وذلك بعد رجوع الارقاء طوعا لسادتهم نتيجة للمجاعة المذكورة وتخريب قطاع الزراعة.
بعدها بدا الانجليز في تقنين المشروعات المائية لتطوير قطاع الزراعة فبدا العمل في خزان سنار وخزان جبل اولياء وتوقيع اتفاقية مياه النيل الاولي في العام 1929م وتنظيم الموارد المائية لنهر النيل وظهور مشروع الجزيرة وغيرها من المشروعات الزراعية. وبما ان المستفاد من مياه النيل لم يكن كبيرا ولارتفاع الوارد من مياه النيل لم تكن الاتفاقيه الا تكريس لحقوق مصر التاريخية التي تطورت في اتفاقية 1959م ومنحت مصر حقوق منها عدم اقامة مشاريع تؤثر في كمية المياه المتساقطة والتي تذهب اليها.
يبقي يوم العاشر من اكتوبر 1898م هو يوم التنظيم والاهتمام بمياه النيل لان مشروع قياس مياه النيل هو اول نشاط حقيقي قام به الاحتلال الانجليزي في وقت مبكر اي بعد 32 يوم من الاحتلال الفعلي للسودان فماهي مبررات هذا الاهتمام المبكر والاجابة علي السؤال اعلاه نفهم مرامي الاحتلال الانجليزي للسودان وهذا تاريخ منسي ….. هذا الله اعلم
د. بشير احمد محي الدين
الخرطوم
boshker100@gmail.com