.
.
قضايا المثقفين وهمومهم لا تتماهي في غالب الأحوال وقضايا السواد الأعظم من البسطاء، همومهم ليست سواء وأشواقهم كذلك.. فحينما تقف لتهتف أن “ليس بالخبز وحده يحيا الأنسان”.. فإنك بالطبع لم يكن لينقصك الخبز في عشاء البارحة، هذا بينما فاتك في الوقت نفسه، أن الكثيرين من المتعففين ربما آووا للفراش، في تلك الليلة بالذات، دون قوت.. فإن لم يكن وحده الخبز هو ما يهب الإنسان الحياة، فإن نقص الخبز يبقى لوحده كفيلا بسلبه إياها..
.
حينما ثار الناس علي نظام 17 نوفمبر بدعوي أنه قد فتح البلاد على مصراعيها للإمبريالية العالمية كإحدى خيارين لا ثالث لهما، لقوتين كانتا تقتسمان العالم وتتحكمان فيه آنذك، ولمّا ساهم ذلك في إجهاض أحلام النشطاء اليساريين بسودان ماركسيّ تحكمه الطليعة واتحادات العمال، ويعمل مع حركات التحرر اليسارية المسلحة علي دعم كفاح المد اليساري المناهض للإستعمار في شمال ووسط أفريقيا، بل تجسد ذلك الإحباط عمليا في شروع الآليات في شق طريق المعونة بالخرطوم بحري، الشئ الذي أجبر الثوار الأنيقين الغاضبين، على تحطيم آلياته وإعاقة العمل به، دون أن يقدموا للناس معونة من مثله، أو بديلا لها على طريقتهم. تجسّدَ ذلك عمليا في سياق آخر في إنسياب دقيق المعونة الأمريكية وحليبها المجفف، وسردينها وجبنها الرومي الذي كان حبل الحياة، لحمها وسُداها، الذي تعلّق به مئات الآلاف من الطلاب البسطاء، علي أسباب الحياة والتعليم لعشرات السنين. لم يكن في ذلك الوقت الحصول علي الطعام والمأوى، عبئاً يُجبر الكثيرات من طالبات الريف الجامعيات الفقيرات المتسكعات في شوارع الخرطوم، علي مقايضة الفضيلة والبحث وسط الموسرين عن الأزواج الكفلاء من خلال الزيجات العابرة، أو ما صار يعرف لاحقا بالإسويت داديز في مداخل المقاهي وصالات الطعام.
.
كانت في ذلك الوقت اليونسكو تكفل التعليم المجاني للطلاب، وكانت المعونة الأمريكية تطعمهم بلا مقابل ..وكانت الصحة العالمية تجلب لهم الدواء والأمصال الواقية من الطاعون وإلتهاب السحايا. إلا أنه ومقابل كل ذلك كان الجحود حليف المثقفين، لأن همومهم شتى وأحلامهم كذلك، فكان لا بد للثورة من أن تندلع دون أن تعبأ بمكتسبات البسطاء ومصالحهم، وكان حريّا بأن يُدفعَ بقرابين الشهداء إلي مذابحها المقدسة.
.
إنه لمن غير اللائق أن تأتي متأنقا لموائد الفقراء لتحدث الناس عن حقوق التعبير والتبادل السلمي للسلطة. ويظل ترفا كذلك أن تقحمهم، وهم مرضي يعتصرهم الألم.. وجوعى يتضورون من الفاقة، في جدل الآيديولوجيا والمفاضلة مابين دكتاتورية الطبقات العاملة وبين حلف الأطلسي..
.
لم يكن اللواء عبود وقتها في قسوة ليوبولد الثاني ولا دموية سيزاربورجيا ولا عنف عبد الكريم قاسم في العراق، فلم يسقط من ثوار أكتوبر إلا شهيدين، أحدهما كان قد أُصيب إتفاقاً. وحينما علا غبار الثورة وطرح النظام إستقالته طائعا علي ورق أبيض، كانت ميزانية الدولة وكان ميزانها التجاري يشكلان فائضا نسبياً عملاقا، وكان السودان في عهده، دون كل العهود التي سبقته أوتلك التي أتت من بعهده ، لديه وفرة كبيرة في رصيده من الذهب والعملات الصعبة.. بل كان متاحا وقتها للثورات أن تندلع، من صلب ندوات تقام آمنةٍ في وسط الخرطوم، دون أن يقتحمها العسكر بسيارات مموهة مجهولة، أو هم مدججون بالسلاح.
.
إن حركة 17 نوفمبركانت قد أحدثت طفرة في الصناعات التحويلية، بل وضعت أساسها لأول مرة في تاريخ البلاد. وذلك بإنشائها لأكثر من عشر مصانع عملاقة، بالإضافة للكباري والسدود والطرق والأساطيل الجوية والبحرية. تم كل ذلك في أقل من ست سنوات.. ماذا صنعنا نحن من بعدها، خلاف أننا قد عقدنا الولاء لسادتنا القدامي لإعادة شروط الإقطاع والخضوع للسادة والنبلاء ..إنها أشبه ما تكون من البؤس بثورة العبيد.
.
لست جاحدا عرَقَ الثوار ودمائهم، ولا ضاناً بطموحاتهم المشروعة وأمجادهم، لكنما كان ينقصهم نقص القادرين علي التمام، هو إحترام أحلام السواد الأعظم من الشعوب الصامتة، والتريث في القفز فوق أولوياتها في المأوي والطعام والكساء والتعليم. ككل الناس تعجبني شعارات الثورة وهتافاتها البطولية.. وتدهشني الكلمات الرائعات التي سطرها العمالقة كهاشم صديق ومحمد المكي إبراهيم في تجسيد أحلام الثوار الوردية، والتغني بطموحاتهم وآمالهم التي طالما كانوا ينشدونها وقتها. لكن الخبز إن لم يكن كافياً لحياةِ أحدِنا، فقد يكون كافيا لقتله.. وأن الأشواق لا تبني وطنا ولا تجلب الحليب للصغار.
.
إنتهى
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم