الموازنة والتراجع .. بقلم: منصور الصُويّم
17 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
أدلى السيد مبارك الفاضل، وزير الاستثمار ونائب رئيس مجلس الوزراء، بتصريحات بيّن خلالها موقف حكومته من مطالب إعادة النظر في “الموازنة الجديدة”، حيث أكد أنهم في هذه الحكومة “لن يتراجعوا عن هذه الموازنة” مهما حدث. وبغض النظر عن التبريرات التي أوردها السيد مبارك الفاضل حول تمسكه هو وحكومته بهذه الموازنة وما أضفاه عليها من أهمية قصوى لا تقبل المساس أو التفاوض، إلا أن أول انطباع يصل المرء فور قراءته لهذه التصريحات الغريبة أن من يدلي بها يتمتع بقدر هائل من التعالي والتجبر والتكبر، بالصورة التي تجعله يتحدث بهذه الصيغة اليقنية الوثوقية الحاسمة وغير القابلة حتى للنقاش أو تقديم القليل من التنازلات إن كانت هذه التنازلات في صالح الجميع. الشيء الآخر الذي سيتوصل إليه متلقي هذه التصريحات إن مطلقها بعيد تماما عن المعاناة الحقيقية التي دعت الآخرين للاحتجاج ضد “الموازنة الجديدة”، وآثارها المأساوية، مع المطالبة بالتراجع عنها؛ وإن ادعى -سيادته- إلمامه بما يحدث ووعد بمراجعة “السوق” وضبطه.
سياسة الأمر الواقع التي يعكسها حديث السيد مبارك الفاضل، هي إحدى الأسباب الرئيسية التي دعت الآخرين إلى الاحتجاج ورفض الموازنة الجديدة، فالأمر الواقع الوحيد الذي يحسه المواطنون الآن هو الغلاء الفاحش والارتفاع الجنوني لأسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني. الأمر الواقع هو سعر الخبز التي ارتفع فجأة إلى “جنيه”، وتحول بقدرة قادر إلى إحدى السلع النادرة، وسياسة الأمر الواقع التي يريد أن يفرضها السيد مبارك الفاضل، تعني أيضا أن سعر جوال السكر وصل إلى الألف جنيه أو ما يزيد، وتعني الارتفاع “العجيب” في إيجارات المنازل، وفي تعريفة المواصلات، وسعر الإسمنت، ومقابلة الطبيب، وشراء الدواء، وتعني إجمالا الارتفاع الخرافي لأسعار المواد الأساسية كافة.. هذا هو الأمر الواقعي الوحيد الذي يواجه الجميع ويكتون بناره يوميا ولا شيء آخر غيره، فهل يسعى السيد مبارك الفاضل مع حكومته إلى “إصلاحه” أم إلى تعميق آثاره المدمرة أكثر؟
الحديث عن استحالة التراجع عن “خطوة ما” أيا كانت أمر يناقض منطق الأشياء ودينامية الحياة وتطورها. هذا بصورة عامة وليس حصرا على أحد، أما حين يتعلق الأمر بجهة مسؤولة عن الناس ومصالحهم وحياتهم “الحكومة” فالأمر يصبح أكثر ضرورة وأقبل للمرونة والتعاطي من غيره. فإذا لم تستطع هذه الحكومة التي يمثلها السيد مبارك الفاضل التعاطي بصدق مع معاناة الشعب الذي تمثله؛ وتبتكر بالتالي حلولا مجدية للقضاء على هذه المعاناة لا تعميقها، فمن الأفضل أن تذهب وتفسح المجال لـ “حكومة” أخرى أكثر إبداعا ليس من ضمن قاموسها مفردة “مستحيل”.
هناك مساحة للتراجع، هناك إمكانية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية وبصورة مثلى لا تقدم المواطن “كبش فداء” لإصلاحات مزعومة من غير المعلوم إلى أين تقود وما هي وجهتها الحقيقية. ضع المواطن أولويتك الوحيدة ومن ثم انجز ما تراه ضرورة للإصلاح والتغيير.