مصنع العملات الذهبية … بقلم: منصور الصويّم
30 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
50 زيارة
أثار انتباهي خبر نشرته الصحف خلال اليومين الماضين، يقول إن السودان سيدخل ميدان تصنيع النقود الذهبية قريبا جدا. الخبر جاء في شكل تصريح منسوب لوزير المعادن السوداني، وكشف فيه أن “بلاده ستدخل مجال تصنيع النقود الذهبية في غضون شهرين بعد اتصالات مع ألمانيا لإنشاء مصنع سينتج مليون قطعة نقد ذهبية.” ومن الواضح أن الشيء المثير للانتباه يكمن في هذه “العملات الذهبية”، فعلى ما يبدو أن الأمر يعكس جانبا مشرقا للاقتصاد السوداني ويشير بطريقة ما إلى “إنجاز” اقتصادي يستحق التوقف عنده، خاصة إذا أخذنا عن الخبر نفسه بعض التفاصيل التي ترينا شيئا عن العملات الذهبية: “وتعد العملات الذهبية أحد أهم وأكثر استثمارات الذهب انتشارا في جميع أنحاء العالم، وتعد العملة الذهبية الرسمية للولايات المتحدة الأميركية الأكثر مبيعا عالميا، كما تنتج كندا والصين والمملكة المتحدة والسعودية عملات ذهبية”، هذا نقلا عن موقع “سودان تريبيون”.
بعد انتهائي من قراءة خبر “مصنع العملات الذهبية” الذي ستشرع تروس ماكيناته في العمل بعد شهرين من الآن؛ استدعت ذاكرتي حشدا من المشاهد الدرامية في عدد كبير من المسلسلات والأفلام التاريخية والدينية، التي تُبرز فيها العملة الذهبية باعتبارها العملة الأساسية في تلك الأزمان البعيدة: تدفع لإغراء النبلاء والاقطاعيين والجنود أثناء الحروب الكبرى، تدفع لشراء الذمم والخونة أثناء الفتوحات الكبرى، تقدم مكافآت للشعراء والمغنيين الجوالين والجواري والإماء “الفنانات” والأديبات مثل شهرزاد – أشهر عروس ملكية – أو تلتهمها النيران – العملات الذهبية – وتجرفها وتغرقها المياه في حالات الغضب الإلهي – هامان – أو حالات الغزوات الحربية الجنونية -هولاكو- التي لا تبقي على شيء ذهبا كان أو نحاسا. كل ذلك طاف سريعا بخاطري، في شكل ومضات استعادية خاطفة أجملها منظر تلك الصُرّة من القماش ذات الرباط، التي تقبع في داخلها على الدوام هذه القطع النقدية الذهبية خاطفة الألباب والأرواح، ومشيدة الإمبراطوريات ومدمرتها على السواء؛ ثم إلى جانب ذلك عادت بي الذاكرة إلى دروس التاريخ الجافة بعيدا عن الدراما، تاريخنا نحن بالتحديد وتلك الجملة الخالدة: غزا محمد علي باشا السودان لأجل الذهب واستجلاب الرجال.
هل يا ترى سيسهم إنشاء مصنع للعملات الذهبية في أرض السودان؛ أرض الذهب والرجال، في إبدال حال هذه البلاد؟ هل يوضح تأسيس وبناء مصنع لتصنيع مثل هذه العملات أن السودان حقيقة بلد غني بمعدن الذهب حتى أنه بإمكاننا أن نحول “ذهبنا” هذا إلى عملات ذهبية تنافس ما تصنعه بلدان مثل أمريكا والسعودية وكندا والصين، وبالتالي يتعافى اقتصادنا تلقائيا ونخرج من مأزق عملاتنا الورقية المتدنية في كل يوم أمام عملات هذه الدول السابقة ودول أخرى، أما أن الأمر لا يعدو مجرد نشاط اقتصادي فوقي يهم فئة معينة من فئات المجتمع ولا يوجد تأثير حقيقي له على بقية الفئات أو اقتصاد البلاد عامة.
لأزمان طويلة ظن الناس أن معدن البترول هو أقوى المعادن وسيظل كذلك إلى أبد الأبدين، وللتدليل على قوته الاقتصادية لقبوه بـ “الذهب الأسود”، غير منتبهين للمفارقة التي يشير إليها اللقب اللماع؛ التي تدلل في النهاية أن القوة دائما وأبدا تعود إلى معدن وحيد اسمه “الذهب”.
mansourem@hotmail.com