آن أوان اليسار الديمُقراطي الجديد في السودان (2/3) .. بقلم/ نضال عبدالوهاب
اليوم سنكتُب عن مُجمل تجربة الحزب الشيوعي السوداني .. لا شك أن الحزب الشيوعي وفي قمة الوجود للمعسكر الإشتراكي قد سااهم وبشكل كبير في رفع درجات الوعي عند الشعب السوداني ، و سااهم بقوة مع قوي أخري في نيل السودان لإستقلاله ، وتبني قضية العدالة الإجتماعية في السودان وقضية المرأة والعديد من القضايا التي تمس المجتمع بشكل مُباشر .. لذا إستقطب طلائع المثقفين والطلاب والمهنين من الزراع والعمال والمُعلمين في مسيرة نضالاته ورغبته في التغيير .. وكان هذا في وقت سابق إذدهرت فيه الشيوعية العالمية ووجدت رواجاً خاصة في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا .. ولعل إتهامها غير الصحيح في تقديري بمعاداة الدين مع عوامل داخلية أخري خاصة بتنظيم الحزب الشيوعي نفسه والمجتمع السوداني ككل قد أسهمت في أن لايجد الحزب الإنتشار الجماهيري ويدفع به في مقدمة الأحزاب السياسية في السودان ، وقد وضح هذا في عدم حصوله علي مقاعد الدوائر الجماهيرية الإنتخابية خاصة في الريف والأقاليم الأخري غير فقط دوائر الوعي في العاصمة وبعض دوائر الخريجين ، وإن كان اكبر عدد ناله كان في الإنتخابات التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964.. ثم بدأ التراجع الكبير بعد ذلك التاريخ ودخول الحزب في مُعترك الإنقلابات العسكرية والتي كانت سائدة في تلك الحِقبة كطريق للوصول للسلطة ، خاصة بعد حادثة إنتهاك الديمُقراطية بطرد نوابه من البرلمان الديمقراطي في 1965 والتي ألقت بظلال سالبة علي جزء كبير من أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي السوداني في تلك الفترة ، وانتهت بالانقسامات ثم تصفية وإعدام قيادة الحزب ( 1971) وزجت بعضويته ومؤيديه في السجون ، ودخل الحزب وعاش بعدها ظروفاً وأوضاعاً غاية في التعقيد كما هو معلوم للجميع .. لكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد في تراجع الحزب داخلياً وحدّ من إنتشاره ونموه .. فقد ساهمت الظروف العالمية للمعسكر الإشتراكي وإنهياره والسقوط الكبير للماركسية كمنهج في إدارة الإقتصاد وإنهزامها أمام الرأسمالية وخطأ إفتراضاتها وبالتالي فشل النظرية في أن تصبح دليل ومُرشد يمكن الإهتداء بها وجعلها أساسية في برنامج وتفكير الأعضاء المنتمين للحزب .. هذا بالإضافة لمفارقة الحزب من ناحية عملية في إتباع الديمُقراطية الصحيحية والمُنسجمة مع طبيعة الحُكم الديمُقراطي التعددي الذي ظل يدعوا له الحزب نفسه ويقتنع به كنظام للحكم في السودان ، فوقع في تناقض كبير في فهم وممارسة الديمُقراطية نفسها ، ولم تُفلح محاولات تجديد وإصلاح الحزب في تقديرنا رُغم ظهور بعض الأصوات الداخلية به تدفع في إتجاه تخلي الحزب عن الماركسية والمركزية الديمُقراطية معاً وخرج بعدها عدد من الأعضاء كنتيجة لتمسك الحزب بهما ولم تنجح كذلك كل المعارك الفكرية ولا حتي مؤتمرات الحزب ( الخامس والسادس ) في جعل هذا التغيير والتجديد ممكناً ، بل فقد العديد من الأعضاء المؤثرين بالفصل والإبعاد كنتيجة لعدم ممارسة الديمُقراطية الصحيحة ، وعدم قدرة القيادة المركزية علي إدارة الصراع حول الأفكار والعمل القيادي معاً .. كل هذه العوامل والأسباب لم تجعل من الحزب الشيوعي السوداني حزب جماهيري وجعلته حزباً مُنكمشاً يعمل تحت مظلات ولافتات الديمُقراطين غير الماركسيين المُتحالفين معه ، ولم تجعل منه حزب ديمُقراطي في تقديرنا ، وتلك للأسف حقيقة لا يعترف بها الشيوعيون من الذين لا زالوا يؤمنون بالمركزية وعاشوا وتربوا عليها كسلوك يُجمد التفكير ولا يُحرر العقل ولا يسمح بالتطور ، لذلك تجد أن العقلية للكادر الشيوعي ومؤسسات الحزب لا تقبل بالرأي الآخر وتضيق وتُصر علي رأيها وإن كان خطأ .. وكل هذه السلبيات ظهرت ولاحظوها حُلفائه من القوي السياسية الأخري ، خاصة في المرحلة الحالية ما بعد الثورة .. النهج الذي ظل يُفكر به الحزب الشيوعي وإعتماده علي الأُسلوب الأمني في ممارسة السياسة من حيث تلقي المعلومات وتحليلها وترصُد للكادر داخل الحزب وللآخرين خارجه من الخصوم والعمل وفق عقلية من ليس معي فهو ضدي ، والإعتماد علي أُسلوب التأمين الوسواسي والبلاغات الداخلية وقمع الأراء المُختلِفة وعزلها داخلياً والتكتل ضدها ، وممارسة الإستبداد في الرأي نتيجة القبضة المركزية ..
نتواصل في الجزء الأخير عن مفهوم اليسار الديُمقراطي الجديد وحوجة السودان له الآن وفي المستقبل من أجل التغيير الحقيقي وتطوره وبناءه و إستقراره ورفاهية شعبه العظيم ..
لا توجد تعليقات
