أسامة الفَراح عوان الحِله .. بقلم: عفيف إسماعيل
ذات صباح صيفي في أول الثمانيات من القرن الماضي، وقبل الساعة السادسة صباحاً، كنت اسير برفقة شقيقي الاكبر وصديقي عاكف إسماعيل نقطع المساحة الواسعة الفاصلة بين حي المايقوما والامتداد الجديد المسمى حي اركويت، حيث نقوم بتشييد بيتنا الجديد كبنائين محترفين وتلك هي مهنة الاسرة ومهنتنا التي كنا ناكل منها عيش في ذاك الوقت، وكالعادة الحديث بيننا متشعب ولا ينقطع، فجاة انتبهنا أن هناك شخص يتحرك بنشاط وهو يقوم بنقل الطوب إلى حيث حيث موقع عمل اليوم، سألت عاكف هل قمت بتأجير احد عمال البناء الذين كانو يعملون معنا في تشيد منزل الاستاذ احمد حسين في نفس الحي كي يأتي مبكراً، فهز رأسه بالنفي، لا شعورياً تسارعت خطواتنا الفارعة بين البيوتات المتناثرة هنا وهناك كطبيعية أي حي جديد الانشاء.
لايفوت لا يموت الساحتو يوت مغشية
لاسامة ابشر طاقة متدفقة ومتجددة وعملية،أي شئ اصابه العطب بين يديه كأنه ساحر، ينفض عنه الموات ويجدد الحياة فيه ويهبه عمراً جديداً، لم اره يوماً ينام وقت القيلولة، فهو اول من يصحى وآخر من ينام، وما بين صحوه ومنامه لا يتوقف عن الفعل المثمر لاهل بيته والجيران والوطن، تجده يساعد جارة لا ابن لها في ترميم بيتها قبل الخريف، واثناء ذلك يأتي من يسأله ان يوقف خرير صنوبر بيته المستمر، وأخرى تناديه ب: يا عشاي بعد ما تخلص شغلتك دي مع ناس خالتك تعال صلح لي باب البيت المكسور، حفاة راكضون يأتون هندويه وامينة الصغيرتان بنيات اخته زينب يتبعهما شقيقهما عمار مثل واتساب بشري سريع التوصيل يحملون رسالة نصية عاجلة من جدتتهم تذكره بان لا ينسى في طريق عودته ان يعبر بجارتهم المتقدمة في السن ويجلّد لها بنابرها، يناديه آخر:” يا ولدي باكر كان عندك طريقة المطرة وقعت الحيطة الفاصلة بين الديوان وبقية البيت كلم اصحابك وتعالو خالتك ح تعمل ليكم دمعه مظبطة وقراصه اربعة بوصة”.
في العصر يكون اسامة أول من يحضر إلى ميدان كورة القدم ويقود تمرين فريق الزهرة الرياضي لكرة القدم، لا اعرف اي وظيفة يشغلها بالنادي هل هو لاعب ؟! أم إداري؟! أم مدرب؟! أم حكم ؟! أم مشجع للنادي؟!
وفي الغد، يجد الجميع احد ابناء المايقوما الاوفياء عزالدين ابراهيم بشير”فريني” أو نصر الدين عبد الله مندرو “الدقاقه” في الميدان جاهزين للخروج بفريق الزهرة من المأزق. يجيد مناكفة جاره وصديقه ايوب تيه الرشيق كما الغزال، الحريف جداً حتى تخال بان الكرة مربوطة بقدمه بمغنطيس لا ينفك حتى معانقتها الشباك، تلك الحرفنة الاستثنائية جعلت ايوب لاحقاً لاعباً لهلال الحصاحيصا ثم الهلال العاصمي .يتحداه اسامة بجرأة نادرة للتتناسب مع قدرته المتواضعة في الملعب كطرف دفاع ايمن، فيعبره ايوب ممراً الكرة بين رجليه ثم يعود له مرة أخرى قبل يلتفت ليفعلها مرة واخرى وهو يهدف ويلتفت لاسامة المتهالك على الارض مغبراً ويصرخ في وجهه منتصراً:
أسامة خاتف اجيال، تجده صديقاً لكافة الاعمار، وله مع كل جيل ألفة ومودة نادرة من عمر عام حتى تسعة وتسعين، عندما فرهد حلم الوطن بانتصار الشعب السوداني على الدكتاتور المأفون المشير الامام جعفر محمد نميري في ابريل 1985م، كان اسامة هو المغنطيس البشري الذي جمع شباب حى المايقوما واركويت لعضوية اتحاد الشباب السوداني لجنة المايقوما واركويت، وبفضله اتسعت ايضا عضوية الحزب الشيوعي السوداني بالحي، ومن خلفه يقف بصبر نادر الاستاذ الجليل عبد الروءوف عمر بيمينه طباشيرة يعلم بها الاجيال فك الابجدية، وباليسرى يتش عين الضلام بالضو والمعرفة ويبذر الوعي في الاجيال الطليعية الآتية ويعطي كل عمره للنضال من اجل غد افضل للشعب السوداني، وكانا ثنائياً متجانساً في التخطيط والتنفيذ.
عشق اسامة للمبدع الاستاذ مصطفي سيد أحمد، يفوق الحدود، كان ينتظرني بمسجل جاهز كل اسبوع عند حضوري من الخرطوم لنسخ ما معي من تسجلات لمصطفي قبل ان اصل إلى بيتنا، أذا لم يكن موجوداً، كنت احرص دائما بأن اذهب في اليوم التألي لـ”دكان مبشر للادوات الإكترونية” حيث ينسخ ازهري الزيلعي أو سراج مبشر اولاً نسخة لهما، ثم ثلاث نسخ الاولى لرفيقة الاهوال والمحبة نازك عثمان، والثانية لصديق الروح والوجدان بابكر عبد الرازق والثالثة لاسامة ابشر.
من أي غاب جاء هذا الليل؟
تحول الوطن بعد هبوط الجراد الاسلاموي في ١٩٨٩م إلى قحط بلقع لا تحتمله روح اسامة الندية كل ذلك البوار والوأد الممنهج لأحلام الشعب السوداني في الديمقراطية والسلام. جاءني اسامة غايب الابتسامة والملامح وقال لي:
ويا ليبيا انشاء الله تعقري
عندما عاد اسامة بعد سنوات في اجازته السنوية، بعد يومين الترحيب عاد كما هو اسامة الاغبش الفراح عوان الحِلة، من قبل كان يساهم بجهده العضلي ، لكن الآن صار عنده قليل الشيك الخضري وكمن لا يخشى الفقر قام بصرفها كلها على الاهل والاصدقاء والمحتاجين، وقبل سفره باسبوع جأني في ستديو التصوير الفتوغرافي الذي اعمل به يحمل كاميراً ماركة “زينت” فخر الصناعة الروسية ومجدها.. وقال لي:
منذ ان سكنت بحي اركويت، صارت علاقتي باسامة يومياً بعبوري بديوان آل ابشر في المساءات، وصرنا نتبادل الكثير من المشتركات، هناك مشترك لا يعرفه إلا القليلُ من أهل الحصاحيصا هو ستر الموتى مجهولي الهوية من جراء حوادث شارع الموت والغرق بمشرحة مستشفى الحصاحيصا ودفنهم، كان المرحوم الحاج حمد هو زعيم هذه المبادرة بعد اتفق مع احد تجار الاقمشة للمساهمة في هذا المشروع الخيري، لم يتردد التجار الكريم لحظة واحدة لكنه وضع شرطاً واحداً وهو ان لا يذكر اسمه حياً او ميتاً عن مساهمته هذه ، التي اوصى ايضا اولاده من بعده ان يكون هذا الفعل صدقة جارية له، وبالطبع الترزية علي سيد أحمد، وعلي بيلو، وهاشم التتر وعمر بكري كانوا يخيطون الاكفان ايضاً بلا مقابل..
آه.
بيرث/ غرب استراليا
No comments.
