أسمار! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
ونستريح من وعثاء السفر في تلافيف الذاكرة العجوز رفقاً بها وبنا وحفاظاً على ما تبقي منها، نلتقط الأنفاس ونتزود بما يشحذ الهمم مجدداً ويبعث في الروح الإقبال النشط والمثمر علي الحياة. والزاد في معناه العام هو إعداد العدة لكل أمر جليل قبل الشروع فيه. فالرؤية تسبق التنفيذ وبعد إفراغ الجهد ينتظر المؤمن دعم ومباركة السماء كأنه يروم التناغم كسائر المخلوقات مع حركة الكون الفسيح. جاء في التنزيل” وتزودوا فإن خير الزاد التقوى”(البقرة ١٩٧). وقد وردت الآية الكريمة في شأن الحج :” الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ….” قال أهل العلم إن الناس كانوا لا يحملون معهم الزاد إذا ما حجوا يقولون جهلا وتواكلا: “نحج إليه ولا يطعمنا؟!” فينتهي بهم المطاف وهم يتكففون الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بحمل مؤونة السفر (الزوادة). إنها دعوة لأخذ الزاد عند الترحال والسفر وهي كذلك كناية عن ضرورة التمسك بالأسباب في الحياة الدنيا واعداد العدة لكل عمل يراد له أن ينجز لا الركون للأمنيات وانتظار غيث السماء من الذهب والفضة وهو ما لا يقع مع التذكير بأن خير الزاد هو تقوي الله بادخار الأجر للحياة الأبدية بالاستقامة والإتقان والتماس الخير، كل الخير للخلق والأحياء. ذلك شبيه بما جاء في شأن اللباس ” يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سواتكم وريشا ولباس التقوي ذلك خير.”(الأعراف ٢٦) فقد كانت قريش تطوف البيت عارية من الثياب ثم أمروا باللباس ربطاً للستر بالكرامة الإنسانية والسير علي الطريق المفضي للنعيم الأخروي .
نجا المعاشر من براثن صالح
أما كتاب ساشي ترور عن نهرو فكتاب مليء بالعظات والعبر في بناء الدول ودالة علي نجاح في العصر الحديث لقيام الدولة وتحررها من الاستعمار باستلهام قيمها الروحية لا بالقطيعة معها كما هو الشأن في عقيدة الحداثة التي لا تري في تأسيس الدولة العصرية من سبيل إلا بهدم الموروث في مجمله. فنهرو هو تلميذ المهاتما غاندي. والمهاتما لقب أطلقه عليه شاعر الهند العظيم طاغور وهو لقب ذو مغزي يعني الروح العظيمة أو روح الأمة. فغاندي الهندوسي كان متصوفا بحق زاهدا لكنه قاد الكفاح اللا عنيف فحرر الهند من بريطانيا. أما جواهر لال نهرو، وجواهر لال وتعني “الجوهرة العظيمة”(واضح الأثر العربي علي الهندية أو قل الأثر المتبادل بين اللغتين والثقافتين)، كان علي النقيض غربي النزعة والسلوك شديد الإيمان بالحداثة علي الفهم الغربي لكنه اتخذ غاندي أباً روحياً فنزل من علياء الأرستقراطية التي ترعرع في سوحها إلي بسطاء الناس وخالطت وجدانه روحانيات غاندي فأقام ديمقراطية فاعلة تحمل سمات وروح ومزاج الهند والشرق. كان غاندي قديساً بحق تقرأ ذلك في سيرته الذاتية التي كتبها بيده ، متسامحاً ألهم مارتن لوثر كنجق جونير معني وطرق الثورة التي تدفعها الروح والإيمان فقد كان غاندي حريصاً علي وحدة الهند ولاستيعاب المسلمين في صفوف حزب المؤتمر. وقف بصلابة مطالبا بالإبقاء علي الخلافة العثمانية في تركيا عشرينيات القرن العشرين مساندة للمسلمين الهنود الذين اعتبروا السعي لإلغائها مؤامرة استعمارية ولما قام الهندوس بمجازر ضد المسلمين عند الاستقلال صام المهاتما احتجاجا ولزم بيته في كلكتا وأعلن أنه ذاهب لباكستان فاغتاله هندوسي متعصب. ولما اشتدت الوطأة علي المسلمين بعد وفاة غاندي تولي نهرو شخصيا حمايتهم. ويقول ترور إن بقاء المسلمين في الهند بعد قيام باكستان سببه نهرو. لكن كتاب وزير الخارجية الأسبق،” جوزوات سينك، الذي عنوانه: “محمد علي جناح” والذي استعرضناه نحو عام ٢٠١٠ عند صدوره، يؤكد أن تعصب نهرو للدولة المركزية علي النمط الأوروبي، آنئذ هو الذي دفع المسلمين إلي الإنفصال خوفا من أن تعزلهم تماما الأغلبية الميكانيكية للهندوس من المشاركة في الحكم. وفي مقالة نشرتها الفاينانشيل تايمز يوم الجمعة ٩ مارس الحالي ٢٠١٨ تحدثت عن سعي رذيس وزراء الهند اليميني الحالي، ناريندرا مودي، لتكريس قوة حزب(باهاراتا) الحاكم الانتخابية إشارة إلي أنه ومنذ وصوله للسلطة غدا الحزب الحاكم يسيطر علي حكومات ٢١ ولاية من أصل ٢٩
No comments.
