إستقلالُ المؤامرات !!! .. بقلم: سيف الدين عبد الحميد
(إذا أردت قراءة التاريخ بصورة صحيحة فعليك استخدام عمليتي التفكيك وإعادة التركيب)
غُرّر بنا تاريخياً أنه استقلالٌ أتى كصحن الصيني بلا شق ولا طق بيد أن المشبَّه كان قابلاً للكسر منذ البداية بحيث أحدث شقوقاً وطقوقاً مركبة تعذر جبرُها على مرّ السنين، وهذا ما حدث لاستقلال السودان الذي اتى بارداً برود طقس الدولة المُستعمِرة. اقول استقلالاً بارداً لأن من يُسمَّون بصُنّاعه كانت مودتُهم ومداهنتُهم للمستعمر الراحل أقرب منها إلى خصومة الثائر المتمرد، وفي ذلك يقول قلم المخابرات السوري إدوارد عطية عن أولئك الفتية: (كانوا كثيراً ما يأتون إليّ وهم يستشيطون غضباً، أناساً كدأبهم عقلاء وذوي ودٍّ مع الحكومة فيقولون لي: لا أمل في أصدقائك فهم لن يتخلصوا من عجرفتهم العنصرية وليس هناك فرصة لأن نصادقهم فهم يقولون إنهم سيأخذوننا معهم في شراكة ويعاملوننا أنداداً … إنهم سيظلون حكاماً في الواقع مغرمين بالهيمنة ومستائين من مطالبنا بالمساواة عملياً). ولكن قلم المخابرات لم يورد أسماء مناضلي الشراكة وتسول السلطة، فالاستقلال نفسه يجب أن يكون بالصورة التي رسمها معاوية نور الذي كان يرى (أن الاستقلال هو مجرد وسيلة لغاية، ولذا إذا لم توجد غاية نبيلة في قومية معافاة وخلاقة فإن الاستقلال يكون غير مستحق لهذه القومية، وحتى إذا تم تحقيقه فإنه سيكون بلا غاية..). رسم معاوية نور هذه اللوحة النورانية في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وبعد مضيّ عشرين عاماً عليها انقلب مضمون تلك اللوحة رأساً على عقب وعلى عكس رغبة معاوية: فقد كان استقلال الفاتح من يناير 1956م غاية في ذاته حتى أن أناشيده وأهازيجه طغت على التعمير والعمران، وكانت الغاية النبيلة المتمثلة في الرؤى الاستراتيجية والبرامج القومية غائبة تماماً عن سوح المعارك الحزبية، كما لم تكن القومية السودانية معافاة وقد أصابها الجرب الطائفي منذ زمنٍ ليس بالقصير فلم تتحرر العقول بعد أن تحررت الحقول. بل لم تكن القومية السودانية قومية خلاقة بحكم اعتمادها على النشاط الزراعي/ الرعوي التقليدي، فالعقلية السودانية عقلية رعوية وإن تسترت بالبذلة الإفرنجية التي تزينها ربطة العنق وبـ(الروب) الجامعي وبعباءات الوجاهة وقفاطين السيادة. وخلافاً لمقدمات معاوية نور فقد كانت نتائج الاستقلال السوداني غير ذات غاية، وإن كانت لها غاية فغايتها السلطة ولا شيء غير السلطة، ولهذه الغاية وحدها استنت سنة المؤامرات قبيل ذاك العام الميلادي المحتفى به سنوياً.
abunizar1959@gmail.com
لا توجد تعليقات
