الإستشراق في رؤية إدوارد سعيد .. بقلم: عبد المنعم عجب الفيا
لعل أبلغ تعبير عن الأثر الذي أحدثه كتاب (الإستشراق) لمؤلفه إدوارد سعيد في وعي المثقفين العرب، هو ما عبر عنه المؤلف نفسه في المقدمة التي كتبها للترجمة العربية لكتابه التؤام (الثقافة والإمبريالية)1993 والتي وصف فيها استقبال القاريء العربي لكتابه الإستشراق بكونه “إما دفاعا عن الإسلام أو هجوما مقذعا عنيفا ضد الغرب، وكلا الأمرين لا يمت بصلة إلى ما كنت قد انتويته أصلا من تأليف الكتاب”(1).
صدر كتاب “الاستشراق” للمفكر العربي الفلسطيني، ادوارد سعيد، باللغة الانجليزية سنة 1978. وصدرت ترجمته الى اللغة العربية بقلم الناقد والاستاذ الجامعي، كمال أبو ديب سنة 1981. من حيث المضمون ومن حيث الصورة السالبة التي حملها الكتاب عن الإستشراق لا جديد كما سبق البيان. غير أن الجديد في كتاب سعيد هو المنهج الذي نظر من خلاله الى الاستشراق واللغة ذات المفردات والصياغات المراوغة التي يستصحبها ذلك المنهج . فقد وظف سعيد مفهوم (الخطاب) عند الفيلسوف البنيوي ميشيل فوكو.
فلما كان ليس في مقدور مفكر أن يفلت من هيمنة الخطاب المسيطر وفق نظرية المعرفة الفوكوية التي يستند إليها سعيد، فإنه بحسب سعيد “ليس في وسع أي باحث.. أن يقاوم ضغوط أمته وضغوط التقليد البحثي الذي يعمل في سياقه، عليه”. ولو كان هذا الباحث أو المفكر كارل ماركس، حتى أن سعيدا قد دبج الصفحة الاولى من كتابه بايراد قول ماركس: “انهم عاجزون عن تمثيل انفسهم، ينبغي ان يمثلوا ” مقتبسا من (برومير الثامن عشر للويس بونابرت) وذلك في اشارة إلى الشرقيين حسب تأويل سعيد.
تكمن المشكلة في نظري أن سعيد قد اخلص للمنهج اكثر من اخلاصه لموضوعه محل البحث وهو الاستشراق. وقد قاده ذلك الى التعسف والتناقض احيانا. صحيح يمكنا القول اجمالا مع فوكو ان السلطة دائما توظف المعرفة لمصلحتها وان الثقافة السائدة والمسيطرة هي ثقافة الطبقة الحاكمة والغالبة والمسيطرة دائما ولكن هذا لا يعني بالضرورة ان السلطة وحدها هي الحافز على انتاج المعرفة .
اما الفكرة المحورية الاخرى التي بنى عليها سعيد كتابه في نقد الاستشراق التقليدي هي القول بان العالم ينقسم إلى شرق وغرب، وان لكل منهما خصائص جوهرية وطبائع أزلية ثابتة تميز بينهما. كالتمييز بين الجنس السامي والجنس الأري، والزعم مثلا ان الاول روحاني والثاني عقلاني، ومن المستشرقين الذين روجوا لهذا التمييز ارنست رينان. وترسخت هذه النظرية بسبب سيادة علم الاجناس البيولوجي في القرن التاسع عشر .
يذهب البعض في تفسير هذا الإحتفاء المبالغ فيه في الغرب بكتاب (الإستشراق) الى “الرغبة المازوشسية في جلد الذات”(46) او ما يسمي بـ”عقدة الذنب الليبرالية” التي تطارد المجتمعات الغربية بسبب الأرث الاستعماري، وهذا هو رأي برنارد لويس.
الهوامش والمراجع :
No comments.
