الإسلام والاستراتيجيَّة أو التَّدبير: المبني والمعني .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
ولكن قلَّما تنقل لغة ما الفكر كاملاً؛ لأنَّ أيّ وعاء يضيق بما يحمل، فالمبني لا يتَّسع للمعني إلا بقدر اتّساع مساحته. وأقرب اللغات لترجمة الفكر، وتبيين معانيه، وتيسير فهمه هي اللغة العربيَّة التي أيضاً من صفاتها الثبات والمرونة.
لا أحد سوي ربّ العالمين يستطيع أن يؤكَّد الشمول؛ أي أنَّ كتابه؛ وهو المبني، وعاء شامل لكلِّ المفاهيم والمعاني، ويؤكَّد صحَّتها أيضاً والهدف منها وهو الهدي أو الرؤية والمنهج والهدف من الإيمان: “ذلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ”.
ولوضع استراتيجيَّة لا بُدَّ من وجود وضعٍ منظَّم ذي نسقٍ معروف إن كان فكراً أو واقعاً، فالاستراتيجيَّة تحتاج إلى ثلاث مراحل وهي مرحلة التَّشييد الفكري، ومرحلة التَّشييد العملي، ومرحلة التَّطوُّر. ولعلَّ من خير الأمثلة لذلك هي قصة سيدنا يوسف عليه السلام: “قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ”.
ونحن نعلم أنَّ معجزة الخلق هي في اختزال الكائنات الحيَّة في حمض أميني لا يُري بالعين المجردة ولكنَّه يحمل كلَّ مباني ومعاني المخلوق، فهو في جوهره لغة مكتوبة ولذلك يطلق عليه شفرة أو رمز الجينات، ولذلك ما أن يجد تربة صالحة إلا وينمو في شكل إنسانٍ أو مخلوقٍ آخر كامل الدَّسم حسب جدول زمني ثابت مثل شروق الشمس ومغربها.
ولذلك فالجسد لاستراتيجيَّة المسلمين هي كتاب الله وهو نهر المبني الذي يحمل بين ضفَّتيه ماء المعني المتجدِّد والذي يحمل بذور الخير، والتي لا يعرف طريقة إنباتها إلا أصحاب العلم والمهارة والخبرة والتَّقوي الذين يستخدمون التَّفكير التَّدبُّري لإدارة حياتهم وفهم مغزاها:
والتَّدبير؛ وهو تهيئة الأمر وتنفيذه ومتابعته وتذليل خطواته ومشكلاته وصيانته:
فما هو الأمر إذن؟ الأمر نقيض النَّهي، وهو يختصُّ بالفعل، فلا أمر بلا فعل يتبعه إن كان لتنفيذ فعل أو النَّهي عنه، ولكن تنفيذ الأمر يعتمد على قدرة الآمر وقدرة المأمور ووسعه، فإذا كان الآمر هو الله سبحانه وتعالي فإنَّ الأمر يبدأ منه وله يعود، وهذا غير ممكن في حال البشر إذ أنَّ الإنسان إذا أَمَرَ بتنفيذ شيء فليس له كبير تأثير في طريقة التَّنفيذ ولا في اتِّقاء كلِّ العواقب مثل أن تعطي توجيهات لمن يبني بيتك:
ولأهميَّة الأمر، الذي يتبع الوصول لقرار بعد مشورة؛ لأنَّ منها آمره واستأمره أي شاوره، لم يترك الله سبحانه وتعالي تدبير أمر السماوات والأرض لمخلوق ولم يعتمد على مشورة أحد:
ونحن عندما نتحدَّث عن المولي عزَّ وجلَّ فإنَّنا نتحدَّث عنه سبحانه وتعالي في سياق: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ”.
وسنواصل إن أذن الله تعالي
لا توجد تعليقات
