الاسترقاق.. خطايا الماضي ودلالات الحاضر (1 من 3) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
لقد دأبنا دوماً في كتابة مثل هذه المقالات، أو تدوين هذه المدوِّنات، بالشروع في العام قبل الخاص. وإذ إنَّما الذي يدفعنا إلى الاتِّجاه إيَّاه هو عموم القضيَّة التي نودُّ البحث فيها، والتعبير عنها. فالعام يشرح الإطار الكبير في شيء من الشموليَّة شديد، أما الخاص فيختص بحيز مضياق في أصغر ما يكون الضيق. ومن هذا المنطلق طفقنا نكتب عن الماضي المنقضي. وقد يقول قائل، أو يتساءل سائل، لم نهتم بهذا التأريخ القديم الموغل في القدم، ونولي له اهتماماً، ونفرز له في كتاباتنا حيزاً، ونعكف عليه سرداً، ثمَّ نشدِّد على الإلمام به ولو إلماماً قليلاً. أجل، إنَّ معرفة التأريخ التليد تبصرنا بالحاضر الطريف، وتنير لنا طريق المستقبل؛ أليس بهذه المعرفة نستطيع أن نستلهم الدروس والعبر. فقد آن الآوان للنَّظر كرَّة أخرى إلى بعض من مشاهير العالم عامة والسُّودان خاصة، وإعادة تقييم مآثرهم ومساهماتهم في التأريخ الإنساني والسِّياسي. إذ لا يمكن تجاهل تدافع وتصانع بعض هؤلاء القدماء، لأنَّ آثار حيواتهم وقراراتهم على الحياة العامة تركتا عدة مآثر لا يمكن لأي إنسان ذي بصيرة أن ينكرها أو يتجاهلها. أجل، فإنَّ المقاربات التأريخيَّة لقويَّة وهامة، وتفي بالغرض الذي نحن بصدد بلوغ مراميه وتأطير جوانبه. ثمَّ إنَّ المقاربات التأريخيَّة لتجعلنا نفهم الأحداث المعاصرة، فضلاً عن استخدامها كقوالب رسميَّة نابعة من العلوم الاجتماعيَّة. وكما قال وزير الدِّفاع الأميريكي الأسبق آش كارتر في مؤتمر التأريخ التطبيقي بجامعة هارفارد إنَّه لفي دهاليز السُّلطة يتحدَّث النَّاس الحقيقيُّون عن التأريخ، وليس الاقتصاد أو العلوم السِّياسيَّة أو العلاقات الخارجيَّة. ثمَّ إنَّ أوَّل الأسئلة التي يطرحونها هو ماذا يعني هذا؟ ومن ثمَّ يتبعون ذلك التسآل بسؤال المؤرِّخ التطبيقي ألا وهو ما هي الفروق بين الحاضر والماضي، وذلك في سبيل الاسترشاد إلى المستقبل المجهول.
إنَّ إفريقيا التي وهبت العالم الجنس البشري، ثمَّ كانت الرَّائدة في كثرٍ من الطلائع التنمويَّة في ازدهار الحضارة العالميَّة، باتت قارة خاضعة للسيطرة الأوروبيَّة، وأرضاً لصيد الرَّقيق ونقلهم كالأنعام إلى الشرق الأوسط والأقصي، ثمَّ كذلك إلى ما أسمَّوه العالم الجديد. على أيٍّ، دعنا نضرب مثلاً بسيراليون في غرب إفريقيا. لقد ظهرت هذه الدولة في الوجود في آواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك حين أعادت إنكلترا الأرقَّاء العتقاء إلى هذه الديار، حيث يشي اسم حاضرتها – أي فريتاون من الكلمة الإنكليزيَّة “المدينة الحرَّة” (Freetown) – بتأريخ مأسوي عن العهد الغابر. فلعلَّك شاهدٌ إرثها التليد الذي يومئ إلى عصور تجارة الرِّق في إفريقيا. وحين اعتزم البريطانيُّون على التخلُّص من الأرقاء العتقاء في بريطانيا والعاهرات في مدينة لندن شحنتهم كلهم أجمعين أكتعين في الفلك، وقذفت بهم في اليم لتبحر السفينة عُباب البحر، وتشق طريقها في البحر سرباً تلقاء سيراليون. والمدهش في الأمر أنَّه حين أخذت الأوبئة تفتك بالعبدان الطلقاء والعاهرات البيضاوات على حدٍّ سواء في الفلك المشحون إيَّاه، شرع رجال الإنكليز في مجلس العموم البريطاني يشتكون ويتباكون على المومسات البريطانيات الموتى، ولم ترمش لهم عين، أو يُسمع عنهم صوت حزين في سبيل هلاك العبيد السود.
لا توجد تعليقات
